تعرف على عنوان خطبة الجمعة
( فضلُ وثمراتُ إنّا للهِ وإنَّا اليه راجعون )
.......................................
الْحَمْدَ لِلَّهِ الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، نحمده ونستعينه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة حق تنجينا من عذاب أليم ، عليها نحيا وعليها نموت ، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله ، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة ، وجاهد في الله حق جهاده وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
( إنّا لله وانّا اليه راجعون ): إقرار بالعبودية الخالصة لله تعالى، وأننا تحت أمر الله تعالى وقدرته وسلطانه، ولا يجري شيء في الكون إلا بأمره وتصريفه، يفعلُ بنا ما يشاء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ الأنبياء:23. فارجع أيها العبد إلى ربك في حياتك طواعيةً قبل أن ترجع إليه بعد موتك قهراً. يقول الإمام القرطبي: "جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين: لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله: "إنا لله" توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله:"وإنا إليه راجعون" إقرار بالهلك، على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له". قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: "لم تعط هذه الكلمات نبياً قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، ولو عرفها يعقوبُ عليه السلام لمّا قال: (يا أسفى على يوسف)". وفي ترديد المسلم " إنا لله وإنا إليه راجعون" عند وقوع الحوادث أو المصائب، دليل على حُسن الامتثال، وكمال الإيمان، تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى في سياق آية الابتلاء والاختبار:﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ سورة البقرة155 ــ 156. ولعل من أهم ثمرات الاسترجاع أنها تعينُ العبدَ وتعطي القوة والصبر عند المصائب والابتلاءات، لذا جاء قول الله تعالى ( وبشر الصابرين ) واسطة العقد بين آية الابتلاء وآية ( إنا لله وإنا إليه راجعون) لما للصبر من مكانة عظيمة في حياة المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ سورة البقرة 153. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: {إنا لله وإنا إليه راجعون} البقرة: 156. اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها ) صحيح مسلم. ومن أيقن أنه لله راجع وأن الله هو المتصرف في ما يجري في الكون جرى على قلبه الصبر الذي وعد الله تعالى صاحبه بالأجر العظيم، فابدأ أيها المؤمن بالصبر عن الأعمال السيئة والأخلاق الخبيثة وعن الوقوع في المعاصي. وهذا الصبر ضد الشيطان ووساوسه ويتحقق هذا الصبر بالابتعاد عن المعاصي وصرف المسلم قلبه عن حبّها والتعلق بها، والحضور في الأماكن التي تكون بها أو يجالس أصحابها ويأنس بهم. يقول الله تعالى: ﴿ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ سورة الأنعام: 68. ثم انتقل إلى الصبر على الطاعات، والمواظبة في عمل الخير وهو من أعظم أبواب الصبر. لأنه صبر من أجل الدِّينِ . يقول الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ الكهف: 28 ثم يأتي بعد ذلك الصبر في البأساء، والضراء، وحين البأس. يقول الله تعالى: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ سورة البقرة:177. قوله تعالى: ( في البأساء) أي الشدة والفقر وهذا صبر في الدنيا ( والضراء) المرض والزمانة وهذا صبر على داء الجسد ( وحين البأس ) أي القتال والحرب وهذا صبر ضد هوى النفس. ثم الصبر على المصائب المفاجئة، لأن الإنسان عند الحدث المفاجئ تظهر حقيقته وما يخفي في صدره فلا يمكنه التصنّع والتمثيل في مشاعره، فمن ثبت عند الصدمة الأولى. وحمد الله واسترجع، رضي الله تعالى عنه وكان من المهتدين، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِذَا مَاتَ وَلَدُ العَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ) سنن الترمذي. وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: ( أتى نبيُّ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ على امرأةٍ تبكي على صبيٍّ لَها فقالَ لَها : اتَّقي اللَّهَ واصبِري فقالت : وما تُبالي أنتَ بمصيبَتي ، فقيلَ لَها : هذا النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، فأتتهُ ، فلم تجِدْ على بابِهِ بوَّابينَ فقالت : يا رسولَ اللَّهِ ، لم أعرفْكَ ، فقالَ : إنَّما الصَّبرُ عندَ الصَّدمةِ الأولى أو : عندَ أوَّلِ صدمةٍ) أخرجه أبو داود وكل من صبر فعليه أن يتحلى بالصبر الجميل فقد وصف الله تعالى حال سيدنا يعقوب عليه السلام عندما فقد ابنه يوسف عليه السلام، فقد تجمل بالصبر الجميل. يقول الله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ سورة يوسف:18. وعلامة هذا الصبر عدم الشكوى. فالمؤمنون الصادقون هم الصابرون الذين يوفيهم أجورهم بغير حساب . يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ سورة الزمر: 10. ذلك لأنهم صبروا على البلاء، واستسلموا لقضاء الله تعالى، صبروا على ما أصابهم من خوف الأعداء الذين لا يرقبون بالمؤمنين إلاّ ولا ذمة، وصبروا على الجوع وقلة ذات اليد، وهذه كلها من البلاء العظيم الذي لا يتحمله إلاّ الصابرون الذين نالوا وسام الشرف بصبرهم على الابتلاءات التي ما زادتهم إلاّ إيماناً وتسليماً لقدر الله تعالى . ولا يلزم من الصبر الإذعان إلى الأمر الواقع، فالمريض الصابر لا يتنافى صبره مع طرق أبواب التداوي والعلاج، والفقير الصابر لا يتنافى صبره مع طرق أبواب العمل والكسب، والضعيف الصابر، لا يتنافى صبره مع طرق أبواب القوة والإعداد. ولنكثر من قولنا ( إنا لله وإنا إليه راجعون) فإنه يزيد من إيماننا وقوتنا وصبرنا. ونذكر بصيام يوم عاشوراء الذي يصادف يوم الثلاثاء المقبل لقوله صلى الله عليه وسلم : (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ) رواه مسلم اللهم إنا نتوجه اليك في أهل غزة والضفة وأهل فلسطين أن تنصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. وارحم شهداءهم وتقبلهم في الصالحين. وخصَّ برحمتك أولئك الذين قضوا تحت الأنقاض ولم يتمكن أحد من الوصول اليهم أو الصلاة عليهم أو العثور عليهم من حجم الدمار وتطاير الأشلاء. اللهم وأنزل عليهم السكينة والطمأنينة، وشافِ الجرحى والمصابين والمكلومين منهم. وخفف عنهم واربط على قلوبهم يا رب. ونؤكد على قيامنا بواجب أداء صلاة الغائب على شهدائنا في غزة و الضفة . ونذكّر أن الصلاة على الغائب من الشهداء والذين هم تحت الأنقاض بعد الصلاة والاذكار والسنة البعدية للجمعة. سائلين المولى عز وجل أن يتقبلهم في الشهداء ويتغمدهم بالرحمة والمغفرة.
الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ سورة آل عمران:102.
واعلموا عباد الله ان الله قد أمركم بأمر عظيم بدأ به بنفسه وثنى بملائكة قدسه، فيقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ سورة الاحزاب: الآية 56، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه: (أنّ من واظبَ عليها يكفى همه ويُغفر ذنبه)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا"، وصلاة الله على المؤمن تخرجه من الظلمات الى النور، يقول الله تعالى:﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ ﴾ سورة الأحزاب: الآية43، وهذا يتطلب التخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم ونقتدي بسنته في البأساء والضراء وحين البأس.
واعلموا أن من دعا بدعاء سيدنا يونس عليه السلام: ﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ استجاب الله له، ومن قالها أربعين مرة فإن كان في مرض فمات منه فهو شهيد وإن برأ برأ وغفر له جميع ذنوبه، ومن قال: "سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر".
وفي المصائب والكرب والشدة أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بدعاء الكرب وهو: ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم) رَوَاه الْبُخَارِيّ. فندعو به في شدائدنا وشدائد أهل غزة وفلسطين، واعلموا أن هذا الدعاء يناجي الله تعالى في اسمه العظيم تذللاً لعظمة الله، والحليم رجاءً لحِلم الله، وربّ السموات والأرض ربّ العرش العظيم يقيناً بأن الأمر كله بيد الله، وأكثروا عند تكالب الأعداء علينا من قول ( حسبنا الله ونعم الوكيل)،لأنّ الله تعالى يقول: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ آل عمران:173،174
سائلين الله تعالى أن يحفظ الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين الحسين بن عبد الله ، وأن يوفقهما لما فيه خير البلاد والعباد ، إنه قريب مجيب.
والحمد لله ربّ العالمين
