ملفات اقتصادية تحكم عودة العلاقات التركية السورية
نون - أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان في عدة مناسبات أنه لا مانع لديه من إجراء محادثات مع الرئيس السوري بشار الأسد وقد يدعوه لزيارة أنقرة أو الذهاب إلى دمشق. وأعقب ذلك تصريح للرئيس السوري على هامش الانتخابات البرلمانية التي جرت في 15 حزيران/يونيو بأنه لا مانع لديه من إجراء محادثات مع الجانب التركي ”إذا ما أفضت إلى نتائج تحقق مصالح البلاد“.
تنطوي المصالحة بين أنقرة ودمشق على تعقيدات سياسية، ولكنها تنطوي أيضًا على جوانب اقتصادية مهمة، بما في ذلك التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار: التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار.
ووفقًا لأحدث البيانات الرسمية المتاحة، ارتفعت الصادرات التركية إلى السوق السورية من 281 مليون دولار في عام 2000 إلى 1.84 مليار دولار في عام 2010، بينما ارتفعت الواردات من 423 مليون دولار إلى 629 مليون دولار خلال الفترة نفسها. وكان الهدف أن يصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 5 مليارات دولار أمريكي.
وبمجرد عودة العلاقات الاقتصادية مع تركيا إلى طبيعتها، من المتوقع أن يزداد التبادل التجاري بين البلدين تدريجياً. خاصة وأن السوق السورية تعاني حالياً من نقص حاد في السلع والمواد الخام، كما قالت وزيرة الاقتصاد السورية السابقة لمياء عاصي لصحيفة الشرق.
وأضاف رجل الأعمال التركي جنكير يلماز: 'بمجرد التوصل إلى اتفاق سياسي، يمكن وضع ترتيبات مؤقتة لتسهيل التجارة إلى حين التوصل إلى اتفاق جديد.
وتلعب حركة الترانزيت دورًا مهمًا في العلاقات التجارية بين البلدين، ليس فقط لأنها تجلب رسومًا للجمارك السورية، بل لأنها توفر الوقت والتكاليف على البضائع التركية المصدرة إلى دول الخليج العربي والأردن. ويتوقع عاصي أن تنتعش حركة الترانزيت وستكون أول نشاط يتأثر إيجاباً بعودة العلاقات، كما حصل بعد افتتاح معبر أبو الزندين في ريف حلب أواخر حزيران/يونيو الماضي.
وقد لعبت اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2007 دورًا كبيرًا في تسهيل التبادل التجاري، وقد توقفت الاتفاقية بشكل كامل بعد اندلاع الأزمة السورية في عام 2011.
ولكن قبل ذلك، اشتكى العديد من الاقتصاديين ورجال الأعمال السوريين، وخاصة من رجال الصناعة، من أن الاتفاقية كانت ”غير عادلة“ لأنها أغرقت السوق المحلية بالمنتجات التركية. وكانت المنتجات السورية تخضع لتعريفة جمركية إضافية بنسبة 28% عند دخولها إلى تركيا، تحت ستار ”ضعف التكاليف المنزلية“، في حين كانت المنتجات التركية تدخل معفاة من الرسوم الجمركية. ولم تستطع الصناعة السورية منافسة المنتجات التركية من حيث الجودة والسعر.
وحول إمكانية إعادة إحياء الاتفاقية، يرى عاصي أنه ”يجب إعادة النظر في العديد من بنود ومواد الاتفاقية وإعادة التفاوض بشأنها“.
وقد يتبع استئناف التجارة بين تركيا وسوريا ”عددًا من السيناريوهات المتعلقة بالاتفاقيات التجارية القديمة والترتيبات الجديدة“. وأضاف: ”أحد السيناريوهات المرشحة هو التفاوض على سلسلة من الاتفاقيات الجديدة، ليس فقط لتحسين شروط التبادل التجاري، ولكن أيضاً لتعزيز التعاون الاقتصادي في مجالات جديدة“.
وكانت نشاطات الشركات التركية العاملة في سوريا قد توقفت منذ بداية الأزمة مباشرة، لكن بعد أن وصل عدد هذه الشركات التي تستثمر بشكل رئيسي في الصناعة والإسمنت إلى 41 شركة، شهد الاستثمار السوري في تركيا نمواً مع حركة رجال الأعمال ورؤوس الأموال.
ووفقاً لغرفة التجارة والصناعة التركية، أسس السوريون أكثر من 10 آلاف شركة في تركيا. ووفقاً لجمعية رجال الأعمال والصناعيين العرب في تركيا، توفر هذه الشركات فرص عمل لأكثر من نصف مليون شخص. ويقدر حجم الاستثمارات السورية في تركيا بحوالي 10 مليارات دولار أمريكي، خاصة في صناعة النسيج والملابس والتجارة والبناء.
وقال محمد آغا أوغلو، عضو حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لصحيفة الشرق حول مصير هذه المشاريع في حال تطبيع العلاقات مع تركيا: ”بالطبع، نحن منفتحون على أي تعاون، بما في ذلك ما يتعلق بالاستثمار. لن تجبر تركيا أي ضيوف سوريين على العودة، سواء كانوا مستثمرين أو عمالاً أو لاجئين“. وقال رجل الأعمال السوري موسى الأحمد، وهو مستثمر سوري في إسطنبول، لـ”الشرق“: ”حتى لو تحسنت العلاقات بين البلدين، فهناك آلاف السوريين في تركيا“. ”الاستثمارات السورية في تركيا هائلة، بما في ذلك مشاريع عقارية كبيرة ونشاط مثير للإعجاب في صناعات الملابس الجاهزة والتصدير“.
وفي الوقت نفسه، قال مستثمر سوري في تركيا (فضل عدم ذكر اسمه) للشروق: 'إذا عادت العلاقات مع تركيا إلى طبيعتها، ستخسر تركيا نسبة من استثماراتها من سوريا وستنخفض حصة الاستثمار الأجنبي المباشر. ومع ذلك، يعتقد أن التأثير الأكبر سيكون على ”قطاعات الاقتصاد التي تعتمد بشكل كبير على رأس المال المادي والبشري السوري، مثل الزراعة والبناء والخدمات“. سيكون هناك نقص في اليد العاملة، وخاصة العمالة الفنية، وستؤدي عودتها إلى البلاد إلى ارتفاع الأجور، مما سيؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الإنتاج وأسعار السلع، سواء في السوق المحلية أو للتصدير“.
أما القضية الأهم والأكثر تعقيداً فهي إعادة إعمار سوريا، والتي من المتوقع أن تتضح معالمها بعد نضوج الاتفاق السياسي الكبير ورفع العقوبات. ومع ذلك، ووفقًا لسيناريوهات مختلفة، يبقى الدور التركي حاسمًا لأسباب جغرافية وسياسية واقتصادية.
يقول الباحث التركي أحمد توبراك لـ”الشرق“: ”بالنسبة للشركات التركية، إذا ما تمت استعادة العلاقات، سواء من خلال توقيع اتفاقيات تعاون ثنائية أو من خلال التنسيق مع وكالات الأمم المتحدة المعنية بإعادة الإعمار والتنمية لضمان تنفيذ المشاريع بما يتماشى مع المعايير الدولية، فإن المشاركة في إعادة تطوير البنية التحتية في سوريا وهذا يمكن أن يؤدي إلى فرص كبيرة. كما يمكن السعي للحصول على الدعم من المنظمات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتمويل مشاريع إعادة الإعمار التي تشارك فيها الشركات التركية“.
وأشار توبراك أيضاً إلى التسهيلات التي ستقدمها الحكومة التركية للشركات المهتمة بالمشاركة والاستثمار في عملية إعادة إعمار سوريا، قائلاً: ”سنقدم لهذه الشركات مساعدات مالية وضريبية، مثل القروض الميسرة والإعفاءات الضريبية، فضلاً عن حماية الاستثمارات التركية في سوريا من المخاطر السياسية والاقتصادية من خلال تقديم الضمانات. كما أننا بحاجة إلى العمل مع الشركات السورية المحلية“.
وتصف لمياء عاصي إعادة إعمار سوريا بأنها ”الورقة الواعدة للاقتصاد التركي المثقل بالمشاكل التي سيكون لها تأثير غير مسبوق على عملتها“. ونتيجة لذلك فإن السلطات التركية ”طموحة للاستفادة من الفرص الاستثمارية الكبيرة التي تحملها مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، يساعدها في ذلك التطورات التي وصلت إليها الشركات التركية من حيث قدرتها على تنفيذ مشاريع ضخمة ومعقدة“.
وحول موقف روسيا من مشاركة تركيا في إعادة إعمار سوريا، قال الباحث التركي أنس نزيبلي أوغلو لـ”الشرق“: ”أعتقد أن روسيا ستشجع ذلك وسيحدث تعاون اقتصادي بين البلدين. الجميع يعلم أن روسيا ليست إيران. صحيح أن كلا البلدين حليفان للحكومة السورية، لكن موسكو تشجع الحوار بين أنقرة ودمشق، على عكس طهران.
