أميركا غير مستعدة لحروب المستقبل
نون - في ساحات القتال في أوكرانيا، يتكشف مستقبل الحرب بسرعة. فالسماء تمتلئ بآلاف الطائرات المسيرة "الدرون". وتستخدم هذه الطائرات ومشغلوها أنظمة الذكاء الاصطناعي من أجل تجنب العقبات وتحديد الأهداف المحتملة. فنماذج الذكاء الاصطناعي تساعد أوكرانيا في التنبؤ بالمكان الذي يجب أن تستهدفه، وبفضلها، يدمر الجنود الأوكرانيون الدبابات ويسقطون الطائرات بفعالية ساحقة. وتجد الوحدات الروسية نفسها تحت المراقبة المستمرة، ومثلما هي الحال في أوكرانيا، فإن خطوط اتصالاتها معرضة للتعطيل من العدو أيضاً. ومع استمرار الصراع، تتسابق الدولتان لتطوير تقنيات متطورة بصورة متزايدة لمواجهة الهجمات المستمرة واختراق دفاعات كل منهما.
الحرب في أوكرانيا ليست سوى واحد من العديد من الصراعات حيث تعمل التقنيات الناشئة على إحداث ثورة في طبيعة الحروب. ففي ميانمار والسودان، يستخدم المتمردون والحكومة الخوارزميات والمركبات ذات التحكم الآلي أثناء القتال. وفي العام 2020، وجهت طائرة ذاتية التشغيل تركية الصنع أرسلتها قوات مدعومة من الحكومة الليبية ضربة إلى مقاتلين منسحبين من دون تدخل بشري، مما قد يكون أول هجوم من هذا القبيل. وفي العام نفسه، استخدم الجيش الأذري طائرات مسيرة تركية وإسرائيلية الصنع، إلى جانب ذخائر معلقة (متفجرات مصممة للتحليق فوق الأهداف)، للاستيلاء على منطقة ناغورنو قره باغ المتنازع عليها. وفي غزة، نشرت إسرائيل آلاف الطائرات المسيرة المدمجة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، من أجل مساعدة القوات الإسرائيلية في التنقل عبر التضاريس الحضرية المعقدة.
وفي حين كانت الحرب دائماً محركاً للابتكار التكنولوجي، فإن الوتيرة الحالية لهذه التطورات سريعة بصورة استثنائية وجاهزة لإحداث تأثير بعيد المدى. ومن المرجح أن تصبح الصراعات المستقبلية أقل ارتباطاً بمن يستطيع حشد أكبر عدد من القوات أو نشر الأسلحة التقليدية الأكثر تقدماً، وأكثر ارتباطاً بمن يستطيع الاستفادة من أنظمة الأسلحة المستقلة والخوارزميات المتطورة بصورة متزايدة.
ولكن من المؤسف أن الولايات المتحدة ما تزال غير مستعدة لهذا المستقبل. فقواتها ليست مجهزة بالكامل للعمل في بيئات نادراً ما تتمتع فيها بميزة المفاجأة، وتفتقر طائراتها النفاثة وسفنها ودباباتها إلى الدفاعات اللازمة ضد هجمات الطائرات المسيرة. علاوة على ذلك، لم يبدأ الجيش الأميركي بعد بدمج الذكاء الاصطناعي في عملياته. والمبادرات التي اتخذها البنتاغون من أجل تصحيح هذه الإخفاقات غير كافية، وجهوده الحالية تتحرك ببطء شديد. في المقابل، نشر الجيش الروسي عدداً كبيراً من الطائرات المسيرة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي في أوكرانيا. وفي نيسان (أبريل)، أعلنت الصين عن أكبر عملية إعادة هيكلة عسكرية لها منذ ما يقارب عقدا من الزمان، مع التركيز على بناء قوات تعتمد على التكنولوجيا.
وللحفاظ على مكانتها كقوة عالمية رائدة، يتعين على الولايات المتحدة إجراء تغييرات سريعة وحاسمة. وسوف يتطلب هذا إصلاحاً شاملاً لهيكل القوات المسلحة، بما في ذلك التغييرات في التكتيكات وتنمية القيادة. ويتعين على الجيش اتباع طرق مبتكرة في اقتناء المعدات وشراء أنواع جديدة من التجهيزات وتدريب الجنود بصورة أفضل على تشغيل الطائرات المسيرة واستخدام الذكاء الاصطناعي.
يذكر أن فكرة إجراء مثل هذا الإصلاح الشامل للنظام قد لا تستهوي صناع السياسة الأميركيين الذين اعتادوا إدارة أقوى جهاز دفاعي في العالم. لكن الروبوتات والذكاء الاصطناعي أصبحا جزءاً دائماً من المشهد. وإذا فشلت الولايات المتحدة في قيادة هذه الثورة، فقد تحاول الجهات المعادية المزودة بهذه التطورات بصورة متزايدة شن هجمات على الولايات المتحدة، وقد تتكلل محاولاتهم بالنجاح عندما يحدث ذلك. وحتى إذا تمكنت واشنطن من التغلب على هذه التهديدات، فستجد نفسها محاطة بصورة متزايدة بأنظمة عسكرية مصممة لدعم الأنظمة الاستبدادية بشكل يتجاهل القيم الليبرالية. ولكي تتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على ميزة عسكرية حاسمة، فعليها إجراء تغيير كبير في قواتها المسلحة، وضمان استخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي بطريقة أخلاقية.
إما التغيير أو الهلاك
إن الطبيعة الأساسية للحرب لا تتغير، فهي تظل صراعاً لفرض الإرادة السياسية لجماعة على أخرى من خلال العنف المنظم. وتشن المعارك وسط حالة من عدم اليقين، إذ تتنقل الجيوش بين ديناميكيات متغيرة باستمرار داخل صفوفها، وبينها وبين حكوماتها، وبينها وبين الناس العاديين. والخوف وسفك الدماء والخسارة التي يتحملها الجنود هي أمور ثابتة، ولا تتأثر حتى بظهور التكنولوجيات المتقدمة مثل الروبوتات.
ومع ذلك، فإن طبيعة الحرب، الأساليب والمواقع والتوقيت وأدوات القتال، يمكن أن تتطور. ويمكن أن تتغير نتيجة للسياسة والديموغرافيا والاقتصاد. ومع ذلك، قليلة هي العوامل القادرة على إحداث تغيير بقدر التطور التكنولوجي. فقد أسهم اختراع السروج والحدوات، على سبيل المثال، في إنشاء سلاح الفرسان في القرن التاسع قبل الميلاد، مما سمح للجيوش بالقتال في أنواع جديدة من التضاريس خارج المناطق المسطحة المناسبة للعربات. وكان ظهور القوس الطويل، القادر على إطلاق السهام لمسافات بعيدة، سبباً في تمكين المدافعين من اختراق الدروع الثقيلة وتدمير الجيوش المتقدمة من بعيد، ثم أدى اختراع البارود في القرن التاسع الميلادي إلى استخدام المتفجرات والأسلحة النارية، مما حث المدافعين على بناء تحصينات أقوى والتركيز بصورة أكبر على إنتاج الأسلحة. وقد ازداد تأثير التكنولوجيا وضوحاً مع الثورة الصناعية، التي أدت إلى إنشاء المدافع الرشاشة والسفن البخارية وأجهزة الراديو، وفي نهاية المطاف، أسهمت أيضاً في ظهور المركبات الآلية، والمدرعة، والطائرات، والصواريخ.
الغد
