عقاب الأطفال... الصندوق الأسود للذاكرة
نون - في الذاكرة وتحت قناع كل شخص مهما علا شأنه صندوق أسود، فيه أسراره الصغيرة والكبيرة، وما يخجل أحياناً من البوح به، وقد يحتوي على أنواع من العقاب تعرض لها في فترات مختلفة من حياة أدارها الأهل أو التربويون أو الأشقاء أو الأقرباء، منها ما أصبح مدعاة للسخرية والدعابة ومنها ما ترك ندوبه في الأرواح وربما في الأجساد.
الحزام الجلدي، وملعقة الخشب، والحذاء، والخيزران، والمسطرة، والفلفل الحار، والدبابيس والإبر واللائحة تطول، تبدو بالنسبة إلى بعض الأطفال لها أدوار أخرى، فهي في ذاكرتهم أدوات تأديب.
لم أضرب كما ضربت
القصاص والعقاب كلمتان لهما وقع كبير قلوب الجميع فكيف إذا كان جمهورهما الأطفال؟ يتذكر فريد كيف كانت والدته تعاقبه في طفولته باستخدام الفلفل الحار وتضعه على لسانه وشفاهه، فيبدأ بالقفز عالياً من شدة الألم، كما يذكر أنه نال حصة لا بأس بها من حرق الأصابع، هذا عدا حزام والده الجلدي الذي وجد طريقه إلى جسده قبل أن يبلغ الـ 10 من عمره،
يقول فريد ضاحكاً "لم يبق أحد من العائلة ولم تبتل يده بي، الكل أراد تربيتي وترويضي، ولكل منهم وجهة نظر، ولكل منهم أداته الخاصة، من صفعات عمي إلى قصاص خالتي وحرماني من المثلجات والشوكولاتة إلى محاضرات عماتي وتأنيبهن على كل كبيرة وصغيرة بخاصة أنني كنت الابن الأول لأهلي وهم يعيشون مع بيت جدي، جدتي كانت الوحيدة التي كنت أكن لها الحب في صغري، كانت حنونة وتحاول قدر الإمكان أن تجنبني الضرب والقصاص بأنواعه، حتى إنها كانت تضع الزيت على شفتي بعد أن تعاقبني أمي بالفلفل، ولطالما وقفت أمام سوط أبي ورجته أن يكون رحيماً معي".
ويروي، "لم أضرب أولادي يوماً حتى إنني أتفادى استخدام الصوت العالي، الأسلوب الوحيد الذي استخدمه معهم هو الحوار، وفي مرات قليلة جداً أحرمهم من شيء يحبونه قد يكون الحلوى أو المصروف أو الإنترنت وأطلب منهم التفكير بما فعلوه في وقت الحرمان حتى يفهموا خطأهم، مرة واحدة ضربت والدتي ابنتي فظهرت علي كل أشباح العنف التي عشتها، وطلبت من الجميع عدم التدخل في تربية أولادي ومن لديه ملاحظة فليقلها لي وليس لهم، في الواقع لم أكره أهلي لكني أعرف إنني خفت منهم، ولم أعتبرهم جهة الأمان في حياتي، أماني الوحيد كان جدتي وعندما توفيت خسرته وبات علي وحدي مواجهة أهلي، ولم أستطع، لذا في طريق التعافي من ذلك الماضي فعلت عكس ما فعل أهلي تماماً،،، اليوم قلما أجد أحداً من أصدقائي يستخدم استراتيجيات أهلنا القديمة في العقاب ربما لأننا جيل عايش ذلك الظلم فأبى أن يستخدمه".
عالقة في دوامة العقاب
تخبر سارة عن العنف الكبير الذي تعرضت له بسبب قلة الدرس ووضع المكياج والخروج عن طاعة أهلها في أمور بسيطة كعدم جلي الصحون أو تنظيف البيت، أو حتى عندما ضبطت وهي تقرأ كتاباً لنوال السعداوي، إذ حرق والدها الكتاب ووضع بعض رماده في فمها معتبراً أنها تفسد أخلاقها، وتقول "لم يذهب هذا العنف من جهازي العصبي ولا تفكيري حتى أنني أحياناً أضرب أولادي بالطريقة نفسها أو بأقل قليلاً، ثم انتبه أنني أنتقم من أهلي بأولادي فأتوقف وأبكي، بالطبع لا أضرب أولادي بسبب أي قراءة أحاول أحياناً أن استنفذ جميع الطرق قبل أن يصل الموضوع إلى الضرب، وقال لي زوجي مرة إنه علي أن أنفس عن غضبي عند معالج نفسي وليس على الأولاد، فهو هادئ جداً وقادر على حل كل المشكلات من دون أي عقاب قاس، ويقضي وقتاً طويلاً يتحاور مع الأولاد، وهم بالطبع يحبونه أكثر مني، ولم يترك لي أهلي أي موقف لأحبهم، حتى أنهم قاطعوني بسبب زواجي، كل ما علي فعلاً أن أجنب أولادي ما عشته لكنني ما زلت أجد صعوبة في تحقيق ذلك".
من جهتها تستذكر تهاني عقاب الأهل لها ولإخوتها، من التأنيب أو الحبس في غرفة أو المقاطعة أو الصراخ، وتقول إنه أصبح لديها رد فعل من الصراخ على رغم أنها تصرخ على أولادها لكن ليس كما كان أهلها يفعلون، كما تحبس أولادها لوقت معين وتحرمهم من شيء يحبونه لفترة معينة، وأحياناً تقاطعهم لكن لوقت قصير، وتقول "ربما استخدم طريقة أهل مخففة".
الخوف من الغضب
أما آلاء فهي ضد العقاب بالإجمال، وتقول "لم أتبع نظاماً معيناً وقمت بجهدي لجعل غضبي كاف لجعل ولدي يشعران بالعقاب، فهما يحزنان فعلاً لحزني، وأحرص أن أذكرهما أن الزعل لا يلغي المحبة، وحتى لو لم أكن راضية فهذا لا يقلل حبي لهما، اكتشفت أن الحرمان المادي أو الضرب لا يجعل الولد يتراجع عما يريد القيام به بشكل واع، حتى إنه قد يشكل لديه عقد، وبالنسبة إلي أن يتجنب ابني أو ابنتي أمراً مدارة لمشاعري أهم بكثير من الخوف من العقاب والضرب".
