أزمات صناعة السيارات تعكس معاناة اقتصاد ألمانيا
نون - تتزايد مخاوف الاقتصاديين من احتمال دخول ألمانيا في أزمة اقتصادية، في ظل مؤشرات قوية تدل على معاناة قطاع الإنتاج من أزمات حقيقية، وهو ما تجلى بوضوح في صناعة السيارات خلال الأيام الأخيرة.
على الرغم من أن ألمانيا تمكنت من تجاوز جائحة كورونا قبل أربع سنوات وتفادت توقفاً كارثياً في قطاعها الصناعي بعد قطع روسيا إمدادات الغاز عنها، عقب فرض الغرب عقوبات صارمة على موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا في فبراير 2022، إلا أن هذا النجاح لم يبدد المخاوف بشأن إمكانية حدوث أزمة اقتصادية. وقد جاءت أحداث الأسبوعين الماضيين لتؤكد أن هذه المخاوف كانت في محلها.
فقد شهدت الانتخابات التي جرت في ولايتي تورينغن وساكسونيا، شرق ألمانيا، في بداية سبتمبر الجاري، زيادة في دعم الأحزاب الشعبوية، مما شكل ضربة جديدة للائتلاف الحاكم في برلين وزاد من الشكوك حول قدرة ألمانيا على جذب الاستثمارات. وفي اليوم التالي مباشرة، فاجأت شركة "فولكسفاغن"، أكبر شركة لصناعة السيارات في البلاد، الجميع بإعلانها عن نيتها إغلاق مصانع محلية بسبب تراجع الطلب. وبعد ذلك، قامت شركة بي إم دبليو بخفض توقعاتها لأرباح العام بأكمله.
في تقرير يدعو إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز تنافسية البلاد وإصلاح اقتصادها الصناعي، أكدت رئيسة مجموعة الضغط الصناعي "بي دي أي"، تانيا غونر، أنه "لا فائدة من تزيين الواقع، فالألمان لا يزالون يتخلفون على الساحة الدولية". وأشارت غونر، النائبة البرلمانية السابقة، إلى أن التحول في ألمانيا "سيتطلب جهوداً من الجميع... في الاقتصاد والسياسة والمجتمع، لكن عدم التحول سيكلفنا أكثر بكثير".
وقد تفاقمت الصعوبات الاقتصادية لفترة من الزمن، حيث تأثر قطاع التصنيع، الذي يعد العمود الفقري للاقتصاد الألماني، بشكل كبير نتيجة تراجع الطلب من المستهلكين في الصين، التي تعتبر سوقاً رئيسية لتصدير السيارات الفاخرة والآلات المتطورة الألمانية. وفي العام الماضي، أدت موجة التضخم المتزايدة إلى تأثيرات سلبية على الأسر وساهمت في صعود التيارات اليمينية واليسارية المتطرفة.
تُعتبر "فولكسفاغن" من الشركات المصنعة الأكثر تأثراً بتباطؤ الطلب في الصين، حيث اعتمدت على هذه السوق لعقود كمصدر رئيسي للمبيعات والأرباح. ورغم أن الصين لا تزال تمثل سوقاً هامة للشركة، إلا أن حصتها السوقية تراجعت في السنوات الأخيرة نتيجة المنافسة الشديدة من الشركات الصينية الأكثر مرونة، بالإضافة إلى منافسة "تسلا" الأميركية، وفقاً لتقرير صادر عن وكالة بلومبيرغ.
تؤثر هذه المنافسة أيضاً على حصة "فولكسفاغن" في السوق الأوروبية، حيث لم يعد الطلب على السيارات الجديدة يعود إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا، مما جعل الشركة تواجه صعوبة في جذب المشترين لسياراتها الكهربائية. علاوة على ذلك، تفاقمت مشكلات الشركة بسبب تراجع الكفاءة وارتفاع التكاليف، مما شكل عبئاً على هذا العملاق الصناعي الذي يوظف أكثر من 600 ألف شخص حول العالم. وزادت الأمور تعقيداً بعد قرار الحكومة بإنهاء الحوافز المقدمة لمشتري السيارات الكهربائية بشكل مفاجئ، وهو قرار مثير للجدل تم التوصل إليه خلال محادثات الميزانية العام الماضي.
فاجأت شركة "فولكسفاغن" العمال والقيادات السياسية في وقت سابق من هذا الشهر بإعلانها عن نيتها إلغاء اتفاقية عمالية استمرت لثلاثة عقود، والتي كانت تمنعها من تنفيذ تسريحات قسرية. كما كشفت الشركة أنها تدرس، للمرة الأولى في تاريخها الذي يمتد على 87 عاماً، إمكانية إغلاق بعض مصانعها في ألمانيا.
هذا الإعلان أثار ردود فعل فورية من النقابات العمالية القوية التي تتمتع بنفوذ كبير داخل الشركة، حتى وفقاً لمعايير ألمانيا. ومن المتوقع أن تكون المفاوضات المقبلة بين الإدارة وممثلي العمال، في محاولة لحل هذه الأزمة، تجربة صعبة ومؤلمة لكلا الطرفين.
من جهة أخرى، أظهرت شركة بي إم دبليو مرونة أكبر في التكيف مع التحول نحو السيارات الكهربائية، لكن الشركات الأصغر المنافسة لم تكن بعيدة عن سلسلة الأخبار السلبية هذا الشهر. فقد اضطرت الشركة، التي تتخذ من ميونخ مقراً لها، إلى خفض توقعاتها لأرباح العام بسبب تراجع الطلب في الصين، بالإضافة إلى استدعاء 1.5 مليون سيارة بسبب مشكلات محتملة في أنظمة المكابح.
