"الشامي".. ظاهرة غنائية تجتاح العالم العربي
نون - لم يكن «الشامي» مجرد اسم جديد يظهر ليحقق نجاحاً كبيراً على الساحة الغنائية، بل لغزاً لا يستوعبه كثيرون حتى هذه اللحظة. ففي غضون أشهر قليلة، بدأت أغانيه تسيطر على سباقات الأغاني على المنصات الإلكترونية في مختلف الدول العربية مثل: «صبرا» و«ياليل ويالعين» و«وين»، حيث انتشرت تلك الأغاني كالنار في الهشيم، وبات وجوده يزاحم كبار النجوم على الساحة.
لكن، برغم الحماس الكبير الذي يلاقيه «الشامي» من جمهور الشباب والجيل «زد»، فإنه يواجه انتقادات شديدة من رموز فنية محسوبة على الأجيال السابقة، والتي ترى في أغنياته ركاكة شعرية وتهديدا للموروث الموسيقي الكلاسيكي، في تجلٍ جديد لصراع الأجيال الذي ينشب من حين لآخر، ويعاني منه كل مُبدع قرر أن يقدم فنا جديداً.
وقت كتابة هذه السطور، تتصدر أغنيته «وين» سباقات الأغاني في عدد من البلاد العربية، كما احتلت المرتبة الأولى في تصنيف مجلة «بيلبورد عربية» لسبعة أسابيع متواصلة خلال شهري يوليو وأغسطس ٢٠٢٤. الفيديو كليب الخاص بالأغنية اقترب من ١٠٠ مليون مشاهدة على منصة يوتيوب في أقل من ثلاثة أشهر. ويسرد بالصورة موقفا لمُطرب يغني في عُرس حبيبته السابقة. بلحنٍ يحتل الأذن بسهولة؛ وموسيقى تتوهج بالأصوات الإلكترونية وإيقاع الدبكة والغناء الجبلي الممزوج بمقاطع من الراب.
أحد أبرز الأسباب التي تجعل المطرب السوري مثيرا للجدل هو صغر سنه مقارنة بالنجاح الكبير الذي حققه، فهو لم يكمل عامه الثاني والعشرين بعد. هذا النجاح السريع يثير تساؤلات حول السر وراء شعبيته المتصاعدة سريعا، وهو ما يردّه البعض إلى موهبته الشاملة في التأليف والتلحين والتوزيع وهندسة الصوت. بينما يرده آخرون إلى دعم فريق إنتاج محترف ومتمكن من مفردات التسويق العصرية، ومنها تطويع ألاعيب السوشيال ميديا في صناعة هالة النجومية. فقد سبق لنفس الجهة الإنتاجية أن دعمت «ناصيف زيتون» قبل أعوام، وتحوّل معها لأيقونة لامعة في موسيقى البوب العربية، وها هي تكرر نفس الشيء مع مُواطِنه «الشامي».
لكن الشامي ومن يقفون معه، فطنوا جيدا أن هذا الفنان يملك ما لا يملكه أي فنان آخر: وهي قصة معاناة شخصية مليئة بالدراما. فقد أجبرته الحرب السورية على النزوح مع عائلته إلى تركيا وهو في التاسعة من عمره، حيث نشأ في دار لجوء، عانى فيها من الفقد والتمييز والتفكك العائلي وأزمة الهوية. تلك التجربة تركت أثرا عميقا في شخصيته وفنه، حيث نجد العديد من أغانيه تحمل مشاعر الحزن والعزلة والارتباك في تحديد مفهوم «الوطن». لكن «الشامي» نجح بأن يحوّل مأساته إلى مصدر إلهام لفنه، واكتسب مصداقية وتعاطفا كبيرا لدى جمهوره الذي يشعر بصدق مشاعره وتجربته، خاصة أن هناك جيلا كاملا عانى من الظروف نفسها.
نقطة أخرى تميز «الشامي» عن غيره وهي «الذاتية» في أغانيه. فهو لا يغني فقط عن الحب أو الفراق بشكل مباشر، بل يعبر عن تجاربه الشخصية بشكل صادق ومؤثر. كلمات أغانيه تعكس تجاربه الخاصة ومشاعره تجاه الفقدان والغربة والبحث عن الهوية، مما يجعلها تلقى صدىً واسعا بين الشباب الذين يشعرون بأن هذه الأغاني تتحدث عنهم وعن مشاعرهم الخاصة.
يشير الشامي لمأساة اللجوء في أغنيته «تشيل chill» حين يقول: «مافي أنتمي للويل، طب قول أنتمي لوين؟ مالي أرض يما رفضتني السماء يا غيم». كانت تلك من أوائل الأغنيات التي انتشرت للشامي وهي خير مُعبّر عن شخصيته الفنية.
وبالتوقف عند عبارة «رفضتني السماء» التي أثارت بعض الجدل واللغط، نجدها كانت مجازا عن أقسى معاني التشرد التي عاشها في سنوات سابقة من حياته، حيث يقصد بها أن الجميع رفضوه بمن فيهم «الموت».
يتعمد «الشامي» استخدام غموض في صياغة كلمات أغانيه، حيث يعتمد على كتابة جمل مبهمة ورمزيات غير واضحة. هذه الصياغات قد تكون صعبة الفهم أحيانًا، إلا أنها تضيف نوعًا من الجاذبية لأعماله، حيث يشعر المستمع بالحاجة إلى تفسير تلك الرموز والغموض. هذا الأسلوب يساهم في خلق حالة من التفاعل بين المستمعين الذين يحاولون فهم المعاني الخفية وراء الكلمات.
إلا أن هذا الأسلوب يعمل ضده أحيانا، فيُعرضه لانتقادات حادة من بعض الفنانين الذين يرون في أعماله نوعًا من الركاكة وهدمًا لقواعد الشعر الغنائي التقليدي، وخاصة في الأمور المتعلقة بالبحور والأوزان والقوافي، والتي يبدو أن الشامي تحرر منها تماما. فخرج شعراء أغان كبار ليهاجموه بأقسى العبارات مثل فارس إسكندر وأحمد ماضي.
ذاتية «الشامي» لا تقف عند تأليفه كلمات أغنياته. بل تمتد إلى مختلف جوانب الإنتاج الموسيقي. فهو من يقوم بالتلحين أيضا ويوزع بعض أغنياته، وأحيانا يقوم بالميكس وهندسة الصوت بنفسه. هذه المهارات المتعددة تعكس مدى شغفه بالموسيقى ورغبته في تقديم عمل متكامل يعبر عنه بالكامل. فهو يملك رؤية موسيقية يوظفها بالمشاركة مع الموزع فؤاد جنيد، وهو الجندي المجهول المسؤول عن الإنتاج الموسيقي لمعظم «الهيتات» التي طرحها الشامي حتى اليوم.
يميل «الشامي» إلى استخدام الموسيقى الإلكترونية الحديثة بنوعيات مثل التراب والدريل والهاوس والهيب هوب، وذلك مع دمجها بالقوالب الموسيقية المحلية وخاصة الدبكة الشامية واللبنانية، كما يقوم بالتنويع في الأداء الغنائي بين الصوت العاطفي الرقيق والصوت الجبلي الذكوري الرخيم، ما يجعل الحصيلة توليفة مختلفة من الموسيقى تعكس أزمة الهوية التي يعاني منها، كما تعكس انفتاحه الثقافي على قدر كبير من المدارس الموسيقية.
الشامي يُعتبر ابنا مخلصا لثقافة «التراك» (track)، لا ثقافة «الأغنية». ما يعني مثلاً أن خطوط الباص وتشكيلة الإيقاع بالتوليف الصوتي المستخدم في الميكس هي جزء جوهري من الأغنية، لا يقل أهمية عن اللحن أو الأداء الغنائي نفسه.
ولذلك فمن الأمور التي تميز حفلاته هو أنه يحييها من دون الاعتماد على فرقة موسيقية. بدلًا من ذلك، يعتمد على جهاز «اللاب توب» لتشغيل «التراك» والغناء عليه. وهذا الأسلوب يعكس الروح العصرية لفنه، أو قد يعتبره البعض تسطيحا لفن الغناء الذي عرفناه في الماضي، إلا أن هذه المدرسة أصبحت أمرا واقعا لا فائدة من التعالي عليها.
شئنا أم أبينا، لقد أصبح المطرب السوري «الشامي» حديث الساحة الفنية بفضل صعوده المفاجئ إلى القمة وانتشاره الكبير. هو ابن تجربته، نجح في تحويل مأساته الشخصية لتكون مصدر إلهام فني، ومصدر تعاطف وتسويق لسردية أكبر من الغناء. واستغل ثراء تجربته الإنسانية ليقدم مزيجا من مدارس فنية مختلفة، مطوّعا كل خبراته التقنية في بناء هذا الفن، حتى صار أيقونة جديدة للجيل زد.
لكن العبرة دوما بالاستمرارية. فإما أن تكتمل التجربة بمزيد من التطور والنضج، وإما أن تكون مجرد موضة مؤقتة.
