يا "أم الغيث" اسقينا...
نون- روز نصر
لسيدات الكون طقوس مباركة لم ترد في الكتب المقدسة، إلا ان قداستهن وحدها تكفي وهي إكسير الحياة، وفي سبيل الإستسقاء عند تأخر نزول المطر وخاصة في "تشارين" ولو انه من المعروف ان "بين تشرين أول وتشرين ثاني صيف ثاني" إلا ان المطر رحمة من الله ويروي قلوب البشر قبل الشجر والطير وحتى الحجر.
ومن هذه الطقوس المعروفة والمتوارثة عبر الأجيال ومنذ القدم هو طقس "أم الغيث" والذي يعدّ من أبرز الطقوس القديمة التي سنّها الأردنيّون للإستسقاء وانتظار نزول المطر من السماء.
"أم الغيث" هي شخصية معنوية ترمز للمطر والغيث، ويبدأ هذا الطقس عندما يطول انحباس المطر، فتحضر النساء هيئة "أم الغيث" المكوّنة من الخشب وملعقة خشبية كبيرة ينصبنها بدل الرأس، ويغطينها بغطاء للرأس مكوّن من عودين متقاطعين، ويلبسنها لباس رجل من الصالحين المعروف عنهم الإنقطاع لله والكرم وحسن الخلق، تحمله نسوة من المعروفات بالورع والتقوى، وبعد ذلك يقمن بتزيينها فتكون للناظر من بعيد كأنها عروس بكامل زينتها.
ويرافق هذا الطقس الشعبي أناشيد وأهازيج، حيث يظل الناس مجتمعون حتى ساعات متأخرة الى حين نزول المطر، وفي حال استمر امتناع المطر يعاودون الكرّة، فأم الغيث طقس إيماني شعبي يرنو التقرب من الله بهذه الإحتفالية الطقسية وذلك وفقًا لما جاء بالحملة التعريفية ب (الخطة الوطنية لعناصر التراث الثقافي غير المادي والترشيحات على قوائم التراث الثقافي غير المادي للبشرية 2020-2024) لوزراة الثقافة.
وحول تفاصيل هذه الطقوس قالت لي سيدة قلبي والكون أمي رحمها الله، انه عندما كان المطر يتأخر كانت نسوة المنطقة يجمعن أنفسهن و يحملن غطاءً طويلًا "شرشف" و"يلفن فيه البلد ويغنين:
يا أم الغيثي الغياثي.... عبيت أبو محمد ضيافي
وراحت أم الغيثي تجيب الرعود.... ما اجت إلا ان القمح طول القاعود
والديك يصيح لربه.... و يطلب ملاة بُقُه"، وكان أهالي الحي يضيفوهن مما لذ وطاب من الخيرات ويجمعن على الغطاء العطايا ويوزعنها على المحتاجين كنوع من الصدقة والتقرب الى الله، والغريب في كل هذه القصة أنني سألتها وهل كان ينزل المطر؟؟! قالت لي مع ضحكة تم الإفراج عنها بسيل من الذكريات الدافئة كأول قطرة في الموسم نعم كانت تمطر!
واستكمالًا لما روته لي أمي تضيف الحاجة شيما أم ابراهيم 67 عامًا ان الأمطار مهمة جدًا فهي بداية الموسم وتسهم في تحسين الموسم الزراعي بالإضافة للتخلص من الغبار والحشرات والآفات.
وتستذكر أم ابراهيم أيام الطفولة وتقول انها أجمل الأيام ببركتها وصدقها فهذه الطقوس مباركة وفيها تقرب الى الله بالصدقات والخير وفيها يجتمع الناس مع بعضهم ويغنون ويفرحون ويتضرعون الى الله ليسقيهم الغيث.
وتستكمل حديثها "أما هذه الأيام يا يمّا ما فيها بركة العيلة الوحدة ما بشوفوا بعض وهم قاعدين عالتلفونات"!
وعلى اختلاف الأهازيج بين منطقة وأخرى إلا انها تتمحور حول طلب الغيث والدعاء الى الله فتقول النساء في فلسطين مثلًا:
يا أم الغيث غيثينا.... واسقي زرع أهالينا
يا أم الغيث غيثينا.... جيبي المطر واسقينا
يالله الغيث يا دايم…. نسقي زرعنا النايم
يالله الغيث يا رحمن.... نسقي زرعنا العطشان
وبالحديث عن هذه الطقوس الغريبة علينا في وقتنا الحاضر إلا انه لا يجب ان يغيب عن بالنا وجود الأساطير القديمة للديانات والطقوس الزراعية في بلاد مابين النهرين والشام، فعلى سبيل المثال في هذه المنطقة تعود أم الغيث الى أسطورة زراعية تتمحور حول آلهة واحدة عرفت "بسيدة الطبيعة"، وهكذا فأننا نجد أنفسنا بأننا أمام آلهة المطر، ويقابلها طقس “بلغنجا” الذي يمارس في كل المناطق المغربية، سواء الناطقة بالأمازيغية أو العربية، مع بعض الإختلافات الطفيفة.
ومن الجدير بالذكر أن التفاسير الدينية للقرآن الكريم تشير الى طلب النبي موسى الماء لقومه وهو ما ورد في سورة البقرة ﴿ ۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
أمّا بالنسبة للطابع الديني الإسلامي فان طقوس الإستسقاء تتجلى في صلاة مخصصة لهذه الغاية والأدعية التي تُرفع بمناسبة بعض المواسم الدينية أو حتى عند زيارة الشيوخ والأولياء.
وبحسب دائرة الإفتاء العامة فإنه عند انحباس المطر تقام "صلاة الإستسقاء" حيث يُسنّ تذكير الناس بالتوبة والإستغفار وردِّ المظالم ومصالحة الخصوم وصيام ثلاثة أيام متتابعات، ثم يخرجون في اليوم الرابع وهم صِيام؛ لأن دعاء الصائم أقرب للإجابة، وفي ثياب ليست من ثياب الزينة، فيصلي بهم ركعتين كصلاة العيد يكبِّر في الأولى سبعًا سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام، ثم يخطب بهم خطبتين كخطبتي العيد، لكنه يستغفر بدل التكبير، فيستغفر في الخطبة الأولى تسعًا، وفي الثانية سبعًا، فيقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، ثم يعظ الناس، ويكثر في الخطبتين من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو الله سبحانه وتعالى أن يرزق الناس الغيث.
وفي الديانة المسيحية يقول مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام الأب رفعت بدر أن الكنائس تصلّي يوم الأحد من أجل هطول المطر، و يدعون الله "اللهم يا من فيه حياتنا وحركاتنا ووجودنا، جُد على أرضنا بالغيث العميم"، و"اللهم الذي به نحيا ونتحرك ونوجد، أرسل لنا ما يلزمنا من المطر، حتى إذا ما ارتوينا من هباتك وحصلنا على معونة إسعافاتك الحاضرة".
وحول الطقس الشعبي لـ"أم الغيث" يقول بدر ان هناك أقاويل تشير الى أم الغيث هي السيدة مريم العذراء، وأن العصي التي كانت تتشكل على شكل صليب مع رداء امرأة، هي رمز لها.
ويضيف انه في بعض القرى الأردنية، كالواقعة في محافظتي عجلون والكرك، كانت تُرفع أيقونة "أم الغيث" لطلب المطر، ويستذكر انه حصل احتباس للمطر في تسعينيات القرن الماضي حيث شارك مع مجموعة من رجال الدين والمؤمنين في الكرك في طقس طلب المطر، عن طريق تلك الأنشودة التي يعتبرها عادةً شعبية دينية، فهي لا تتوجه الى شخص مجهول، بل هي صلاة موجهة الى خالق الكون، لكي يرسل مطره الوفير والمفيد لشعبه.
وصلوات طلب المطر تأتي من وحي قصة النبي إيليا، أو مار الياس المولود في تشبة جلعاد ( لستب حاليا في محافظة عجلون) والذي ارتقى الى السماء بمركبته النارية، من جوار المغطس، وهو الذي صلّى لأجل هطول المطر، بحسب ما جاء في "سفر الملوك" في الكتاب المقدس، عندما صلّى ايليا في جبل الكرمل، وطلب منه الرب: "اذهبْ وتراءَ لأحاب، فأعطي مطراً على وجه الأرض". فاستجاب الله تعالى لصلاة ايليا الحارة ، وارسل مطرا على وجه الارض.
وتعود أهمية نزول المطر في هذه الفترة الى عدة أسباب من بينها الإعلان عن دخول الخريف وتحسين الموسم الزراعي اضافة الى الحاجة الملحة لرفع نسبة تخزين السدود للمياه في المملكة، حيث ان الأردن يعد ثاني أفقر دولة في المياه وحصة الفرد من المياه تعد الأقل على مستوى العالم؛ إذ تبلغ 63 مترا مكعبا سنويا لمختلف الإستخدامات، بينما يبلغ خط الفقر المائي العالمي سنويا 500 متر مكعب للفرد سنويا، بحسب أحدث تصريح للناطق باسم وزارة المياه عمر سلامة.
وفي شهر تشرين أول/ أكتوبر يبدأ الوسم أي "موسم الأمطار"، وسمي بهذا الإسم لأنه يسم الأرض بالخضرة والنبات، كما سمي ب "الوسم" لأنه يترك أثراً على الأرض، وإذا حل "الوسم" باكرًا خلال تشرين الأول، سمي " الوسم البدري"، وهو ما يشير الى موسم مطري وفير، بالإضافة الى تحسين الموسم الزراعي والقضاء على الآفات الضارة.
والأهم من كل ذلك هو انتظار المزارعين "شتوة الزيتون" حيث أنها تغسل ثمار الزيتون وتزيد نسبة الزيت فيه وبالتالي عصرها والإستمتاع بزيتها الطيب وتخزينه فترة الشتاء تحضيرًا لبرد كوانين وكما يقول المثل "في كانون كن بييتك وكثر من حطبك وزيتك".
بالنهاية ندعوا الله أن يسقينا الغيث ونتضرع له في صلواتنا وخالص دعائنا.
