الاتحاد الأوروبي: الاردنيون مستعدون للتفاعل مع النظام السياسي القائم على الاحزاب
نون--يُعدّ إفراز مجلس نيابي ببنية حزبية مختلفة إحدى أبرز التحولات في المرحلة الحالية، وهو ما جاء كنتيجة مباشرة لمنظومة التحديث السياسي التي تُرجمت عمليًا بإجراء الانتخابات النيابية في العاشر من أيلول الماضي. ورغم التحديات الإقليمية الملتهبة، نجح الأردن في إنجاز هذا الاستحقاق الدستوري، ما دفع بعثة الاتحاد الأوروبي للإشادة بتنظيم العملية الانتخابية والتزام المملكة بإجرائها وفق الجدول الزمني المحدد. وقد اعتبر تقرير البعثة أن هذه الانتخابات تمثل نقطة تحول في تعزيز بنية حزبية جديدة وتحديد ملامح القوى السياسية للأعوام القادمة.
وأشادت البعثة في تقريرها بالتنظيم الجيد الذي جرى والالتزام من الأردن في إجراء الإنتخابات بالوقت المقرر وإدارة العملية بكفاءة وتمثيل حقيقي للناخبين، في إشارة الى نتائج الانتخابات التي أنتجت مجلسًا غالبيته حزبية وحصل فيه حزب جبهة العمل الإسلامي على 31 مقعدًا من أصل 183 مقعدًا وهو ما اعتبره خبراء انعكاسًا حقيقيًا للرغبة الشعبية وتمثيلًا واقعيًا في ظل الظروف المحيطة ويحصل في غزة من حرب دائرة ومستمرة منذ السابع من اكتوبر العام الماضي وحتى يومنا هذا.
ومع نجاح العملية الانتخابية والإشادة الدولية بمجرياتها اعتبرت البعثة هذه الانتخابات ذات أهمية كبرى لأنها ستبين مدى استعداد الأردنيين للتفاعل مع النظام السياسي القائم على الأحزاب ولتحديد القوى السياسية الرئيسية التي ستتشكل العقد المقبل.
هذه الاشادات جاءت بأهمية إضافية لكونها أجريت بقانون الانتخاب والأحزاب الجديدين وضمن مجموعة من التعديلات الدستورية حيث أن هذه الاصلاحات طبقت توصيتين من توصيات الإتحاد الأوروبي السابقة، بتخفيض سن الترشح من 30 عام الى 25 عام، واقرار قانون حماية البيانات الجديد.
بالإضافة الى التوصيتين أعلاه، قال التقرير ان الأردن طبق 6 من التوصيات الأخرى بشكل جزئي منها إعلان النتائج بشكل مباشر وتخصيص مقعد للمرأة في كل دائرة محلية، الى جانب اعلان النتائج على مستوى مركز الاقتراع وتخفيف شروط التسجيل للمرشحين للسماح للموظفين الحكوميين بالترشح بعد طلب اجازة مؤقتة من اعمالهم.
كما وأثنت البعثة على وجود الكوتا النسائية وتوسيع مشاركة المرأة الى جانب الحفاظ على الكوتا القائمة على النوع الاجتماعي، وبالرغم من ذلك إلا انه لا يزال بحسب التقرير عوائق عديدة تواجه النساء وتحول دون تحقيق المشاركة السياسية الكاملة لهن؛ لا سيما بسبب القيود المالية المتعلقة برسوم التسجيل وتكاليف الحملات الانتخابية، وبالاعتقاد السائد أن القيود الاجتماعية وتعرض المرأة لضغوط اجتماعية والعنف الانتخابي، حيث حركت الهيئة المستقلة دعوى للحق العام لثلاثة أشخاص بتهمة ارتكاب عنف انتخابي لإحدى المرشحات.
وبالرغم من الإشادات إلا ان البعثة أوردت بتقريرها عدداً من الملاحظات والتوصيات التي نصحت بتطبيقها خلال العامين القادمين بهدف دعم الإصلاحات ضمن جهود تحديث المنظومة السياسية في البلاد.
وقدمت البعثة 18 توصيةً من بينها انه وبالرغم من وجود مجلس يعكس الثقة الشعبية إلا ان نسبة المشاركة ما زالت متواضعة، حيث بلغت النسبة 32%، ولعل هذه النسبة جاءت بناءً على نقص الثقة في العملية الانتخابية للمجالس السابقة، إلا أن الأمل معقود على ما قد ينجزه المجلس الجديد ما قد ينعكس ايجابًا على ارتفاع المشاركة في الانتخابات المقبلة.
وحول الحملات الانتخابية للأحزاب والمرشحين أورد التقرير ان الفجوات الموجودة في اللوائح التشريعية الخاصة بالحملات ونقص الآليات الفعالة لإنفاذ القوانين أدى الى عدم معالجة العديد من الانتهاكات، فضلًا عن الغموض الذي كان محيطًا بالحملات الانتخابية يوم الانتخابات لا سيما في وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وحول مراكز الاقتراع.
وبما يخص وسائل الاعلام أورد التقرير ان وسائل اعلام رسمية وخاصة قدمت برامج وتغطيات متخصصة بالانتخابات واستضافت خبراء ومسؤولين للحديث بهذا السياق ذكر منها الإعلام الرسمي، التلفزيون الأردني الذي غطى عدة مواضيع حول الانتخابات خلال برامجه المختلفة المنوعة والإخباري حيث قدم برنامجًا متخصصًا "المقر الإنتخابي" وطرح مواضيع عدة وقدم توضيحات زخمة للمواطنين حول سير العملية الانتخابية وكيفية الاقتراع، بالإضافة الى تلفزيون المملكة الذي قدم برنامج "مناظرات المملكة"، وراديو نون الذي قدم برنامجين متخصصين بالانتخابات وهما "برلمان 24" المستمر تقديمه حتى اليوم، و"شو برنامجك" الذي قدمه الوزير الأسبق د. معن القطامين، وغيرها من البرامج التي عرضت على وسائل اعلام زميلة، بجانب العديد من البرامج عرضت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبرامج الهيئة المستقلة للانتخاب وترويجها للانتخابات والتشجيع عليها.
وكان للبعثة ملاحظات على ضعف التوعية المقدمة من الهيئة المستقلة للانتخاب حيث ان النهج المركزي الذي اتبعته الهيئة لتوعية وتثقيف الناخبين أدى الى ضعف عام في مشاركة اللجان الانتخابية في الدوائر حيث وصف المراقبون ان المعلومات المقدمة للناخبين بالكاد لمست على أرض الواقع بحسب التقرير.
ومن ضمن التوصيات أيضًا التركيز على تثقيف الناخبين وتوفير التدريب لمختلف الأطراف المعنيين بالعملية الانتخابية، وأيضا مناقشة السياسات التي تهم المواطنين.
وتضمن التقرير من بين الـ 18 توصية من سبع توصيات ذات أولوية حيث أكدت كبيرة المراقبين في الاتحاد الأوروبي زيليانا زوفكو أنها الأهم والتي يجب على الهيئة العمل عليها قبل بداية الانتخابات المقبلة.
وتتضمن هذه التوصيات: (1 تعزيز جهود تثقيف الناخبين على مستوى المجتمع المحلي وإشراك لجان الانتخابات في الدوائر الانتخابية في تنفيذها؛ (2) تطبيق قوانين الحملات الانتخابية بشكل مستمر؛ (3) تحسين الشفافية في تمويل الحملات الانتخابية وتعزيز الدور الرقابي الذي تمارسه الهيئة المستقلة للانتخاب؛ (4) إلغاء تجريم التشهير بهدف حماية حرية التعبير؛ (5) تعديل قانون الجرائم الإلكترونية ليتماشى مع الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان؛ (6) تحسين وصول الأشخاص من ذوي الإعاقة إلى التصويت؛ و(7) ضمان الوصول غير المقيد للمراقبين إلى كافة مراحل العملية الانتخابية.
وهنا أعربت زوفكو عن ثقتها في أن الأردن سيواصل مسيرته الإصلاحية، مشددة على أهمية المبادئ الأساسية مثل الشمولية والشفافية وحرية التعبير في تحقيق مثل هذه الإصلاحات، وأبدت استعداد الاتحاد الأوروبي التام لدعم السلطات الأردنية في تنفيذ هذه التوصيات لتعزيز العمليات الديمقراطية في البلاد".
الدلالة الإيجابية بتلبية بعثة الاتحاد الأوروبي دعوة الأردن لمراقبة الانتخابات واستكمال عملها الرقابي في الأردن تعبر عن دعمها الواضح لمشاريع الإصلاحات من جهة ومن جهة أخرى تقديرًا لعملية التطوير التي يقوم بها الأردن وهو ما أكدت عليه رئيسة البعثة، مع التأكيد على تقديم الدعم الكامل للأردن في هذا السياق.
وكانت بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات نفذت مهمتها خلال الفترة ما بين 28 تموز و29 أيلول 2024 وذلك بدعوة من جانب الهيئة المستقلة للانتخاب في الأردن، حيث نشرت البعثة ما يزيد عن 120 مراقباً من دول الاتحاد الأوروبي في كافة أنحاء البلاد، بالإضافة لمراقبين من كندا والنرويج وسويسرا.
