"القمح قمحي..والبلاد بلادي.. والدم أردني"
نون- روز نصر
في تمام الساعة الخامسة والربع بتوقيت جرينتش من عام 1971 توقفت الإذاعة الأردنية عن بث برامجها وبدأت ببث موسيقى كلاسيكية دون أي إشعار، ثم ارتجل مذيع الراديو بكلمات من القلب قال فيها "ان التاريخ يكتب بدم الشهداء، وقد نما الأردن بفضل جهودنا، ونحن فداء للأردن في كل حين، وسوف نضع الحق في نصابه، ونتقبل الموت في سبيل الأردن بصدر رحب" ثم أعلن عن استشهاد وصفي على أيدي الغدر التي طالته في القاهرة أثناء مشاركته في اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك يوم 28 من شهر تشرين الثاني من العام 1971.
وفي ذلك اليوم المشؤوم أعلن الديوان الملكي الحداد 40 يومًا وتم تعليق الدوام في المدارس والمؤسسات التعليمية لمدة 3 أيام، وكان هذا اليوم بداية حداد مفتوح على فراق الشهيد وصفي التل الذي ارتبط اسمه وانجازاته في صميم حب الوطن والإنتماء لأرضه وعروبته.
وصفي التل رجل دولة من العيار الثقيل أحبه الأردنيون وعشقوه وكيف لا يعشقون من كان شجاعًا، نظيف اليد، قياديًا في الصفوف الأولى لمحاربة الفساد وهدر المال العام، وهو من قالها وأعلنها بوضوح في عدة مناسبات بأنه سيقطع اليد التي تمتد إلى أموال الناس، وبالإضافة لإنجازاته الوطنية اكتسب شعبية كبيرة ومحبة الناس لأنه كان قريبًا منهم فقد لامس قضاياهم بشكل مباشر حيث خصص يومًا من كل أسبوع لاستقبال المواطنين والاستماع إلى مشاكلهم ومطالبهم.
عرف وصفي ببساطته وحبه لأبناء وطنه دون أي معايير سوى الوفاء والإخلاص، وعرف بـ" أبو الزراعة" وهو من قال يومًا ما " من يحب الارض، يحب الوطن" فقد كان يعمل بيده في كل مكان من حديقة منزله انطلاقًا الى المزارع والبساتين، فكان يدعم صغار المزارعين قبل كبارهم ويجلس معهم يحدثهم يستمع لقضاياهم ومطالبهم، وطلب منهم زراعة القمح بكونه السلعة الإستراتيجية الضرورية، ومنع البناء في المناطق الزراعية تحت المساءلة القانونية بالاضافة الى وضعه برنامجًا لزراعة الجبال الجرداء بالأشجار الحرجية بتنفيذ من طلاب المدارس خلال معسكرات صيفية لتحويلها الى غابات خضراء، وعُرف عنه عدم تساهله مع قاطعي الأشجار بقصد التحطيب والبيع.
"هذه الأرض ستطعم الشام كاملا من قمحها وبقلها لو وجدت القليل من الاهتمام" كانت هذه واحدة من أشهر أقوال المرحوم وصفي حيث آمن بالأرض وكانت لديه قناعة تامة بأن الأردن قادرعلى الاكتفاء ذاتيًا فيما يتعلق بالأمن الغذائي وكانت الأرض بالنسبة له وما تنتجه هي نفط الأردن، حيث أنشأ عدة مؤسسات وطنية بهدف جعل الأردنيين يعتمدون على أنفسهم للتحرر من ضغوط الديون والمنح.
ومن الجدير بالذكر ان الشهيد وصفي التل هو أول من أقر ان يكون عيد العمال عطلة رسمية في نهاية الستينيات من القرن الماضي، حيث كان الجميع يحتفل بالعيد، وكان التل يحرص على مشاركة العمال احتفالاتهم ويعمل معهم وأكثر ما كان يسعده ان يقوم بزراعة الأرض مع العمال.
وصفي التل لم يكن رجلًا تبوأ منصبًا فجلس على الكرسي بل كان المنصب بالنسبة له مكانًا ينطلق منه بمسؤولية لخدمة الناس ولهذا السبب والعديد من الأسباب كان "ابن الحراث" وما زال أسطورة يرويها الأجداد للآباء وسنرويها للأحفاد على مر الزمن.
العديد من الروايات التي سمعناها عن وصفي وتناقلناها عبر الأجيال لربما لا تتسع السطور لذكرها ولكن البساطة وحب الوطن والوفاء والاخلاص هو عنوانها وما تبقى تفاصيل وما أجمل هذه التفاصيل...
يذكر انه عهد الشهيد وصفي تم شق قناة الغور الشرقية (قناة الملك عبد الله) التي نقلت مياه نهر الأردن ونهر اليرموك لأغراض الشرب لساكني إقليم الوسط من خلال محطة زي للمياه وكذلك ري المشاريع الزراعية في منطقة الأغوار الشمالية، كما أنشا الطرق الزراعية.
وشهد الأردن في عهد وصفي العديد من المشاريع الإقتصادية والزراعية والتعليمية التي كان لها أكبر الأثر في نهضة الأردن، ففي عهده تم شق قناة الغور الشرقية (قناة الملك عبد الله)، وتأسيس الجامعة الأردنية وبناء سد الملك طلال الذي تم على أثره استصلاح آلاف الدونمات للزراعة في منطقة الأغوار الوسطى، بالإضافة إلى إنشاء الطريق الصحراوي أحد مشاريع النقل الحيوية في ربط شمال الأردن ووسطه مع محافظات الجنوب، كما شهد عهده تأسيس شركة الفوسفات وشركة البوتاس وتوسع الساحل الأردني على خليج العقبة لمسافة 100 كيلو متر جنوبًا، وتأسيس التلفزيون الأردني ومحطة الأقمار الصناعية ومستشفى الجامعة الأردنية وجريدة الرأي وإنشاء حزب الاتحاد الوطني ليكون دافعًا للحياة السياسية والحزبية في البلاد وغيرها من المنجزات التي جعلت من وصفي من أبرز السياسيين الذين طُبعت أسمائهم في ذاكرة الأردنيين لعدة أجيال.
وولد وصفي التل عام 1920 وهو ابن الشاعر الأردني المعروف مصطفى وهبي التل، وتلقى دراسته الابتدائية في مدارس اربد والسلط الثانوية ثم غادر ببعثة على حساب الحكومة الأردنية لدراسة العلوم والفلسفة في الجامعة الأميركية ببيروت، وعمل مدرسا في مدرسة الكرك، وتقلد عددا من الوظائف والمناصب الرسمية في عمان والقدس وأريحا ولندن، وعمل دبلوماسيا في السفارات الأردنية في موسكو وطهران وبغداد.
وعمل التل أستاذا في كلية السلط عام 1941، وموظفا في دائرة الإحصاءات العامة، ومساعدا لمدير ضريبة الدخل، ومديرا للمطبوعات عام 1955، ورئيسا للتشريفات الملكية عام 1957، ورئيسا للتوجيه المعنوي عام 1959، وعضوا في مجلس الأعيان بين عامي 1963 – 1971، وسفيرا للأردن في العاصمة العراقية بغداد وإيران.
ويعد الشهيد وصفي أحد أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ الأردن وحظي بشعبية كبيرة وتبوأ منصب رئيس الوزراء عام 1962 حيث كلفه جلالة الراحل الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه بتشكيل حكومته التي ضمت 11 وزيرًا آنذاك، ثم تجددت ثقة جلالته به مرة ثانية عام 1965، ومرة ثالثة عام 1970، وعرف بإخلاصه وولائه لقيادته الهاشمية وعشقه لوطنه وأمته العربية ووحدتها.
