القيسي : باب الحيرة رحلة في الذات
عالم الثقافة اليومي يحرض المرء على التمرد والكتابة بجرأةشيرين القطاونة.......................اجاد الأديب يحيى القيسي في محاورة النفس بسلسلة من الكتابات التي امتازت أيضا بالجرأة في الطرح والغنى في اللغة ، وقد تجلى ذلك في عمله الأخير رواية باب الحيرة التي لاقت الكثير من الاهتمام محليا وعربيا ، تقول سيرته الحياتية والإبداعية بأنه من مواليد قرية حرثا شمال عام 1963 ، وحصل على بكالوريس في الأدب الإنجليزي ، وقد أصدر مجموعتين قصصيتن هما: (الولوج في الزمن الماء) 1990 ,و ( رغبات مشروخة ) 1997 ,إضافة إلى كتابه الحواري ( حمى الكتابة )2004, كما أنجز نحو خمسة وعشرين فيلما تلفزيونيا توثيقيا عن أبرز الشخصيات الثقافية والفنية الأردنية والأمكنة الجغرافية ،,وقد أقام في تونس بداية التسعينيات وعمل في صحافتها كما عمل في التعليم وفي وزارة الثقافة ولا سيما في مجلتي صوت الجيل و فنون ،وفي الإدارة الثقافية للنشر والتبادل الثقافي ، وهو المراسل الثقافي للقدس العربي اللندنية ، ويعمل منتج برامج في محطة ATV الأردنية .- رواية باب الحيرة نص مشبع بالاحداث والتناغم اللغوي ، و يتجاور فيه الصوفي بالمعرفي.. ماذا لو تحدثنا عن هذه الرواية والتي وصفها البعض بانها مبنية على فلسفة الاسئلة التي هي أصل المعرفة،..؟ باب الحيرة رحلة في الذات أولا ، ومنها إلى العالم ، وهي لذلك تنشغل بالأسئلة الكبرى والصعبة ،ربما لأن الأسئلة أكثر قدرة على مجابهة المجهول وطرق أبوابه من الإجابات الجاهزة ، أو الوصفات الوجودية المطمئنة التي قدمتها الديانات ببنيتها الظاهرية ، وليست المستترة أو الجوانية ، و ربما يلمح القارىء والناقد الحصيف ،والسابر للنص أن اللغة هنا ليست أداة توصيل فحسب ، بل هي ملمح أساسي ،لها دور جوهري في بنية الخطاب ، لقد أردت في النهاية أن أقدم عملا غنيا في لغته ودلالاته وفي مادته ، ولم أنشغل كثيرا بالحكاية وحبكتها وعناصرها التشويقية ، بل كان مقصدي أن أقدم معرفة صافية ، مكثفة ، محمولة على الحكاية ،وآمل أن أكون قد نجحت . أما بالنسبة إلى التصوف ففي الحقيقة أنني ومنذ سنوات قريبة اهتديت إلى هذا العالم الجميل سواء عبر القراءات لكبار المتصوفة ، أو النقاشات المتواصلة مع أصدقاء ينتمون إلى عالمهم ، أو عبر التأملات الخاصة بي والبحث المتواصل ، و أرى بأن التصوف هو الأقدر والأكثر إقناعا بالنسبة لي وإشباعا أيضا سواء في حاجات الروح أو العقل أو الجسد ،إنه عالم جميل حقا ، يعاش ولا يوصف ، وما قدمته في الرواية إشارات تلمح أكثر مما تقول ، وتؤشر أكثر مما تدل . كان لك نهج مختلف في كتابة هذه الرواية أيضا من خلال الانشغال بالتوثيق التاريخي والتناص مع كتب تراثية كثيرة وهذا يحتاج إلى جهد كبير ومساحة واسعة فكيف تصف لنا هذا الجانب ،وما مدى العفوية السردية قياسا للوعي التوثيقي ؟ كما أشرت من قبل فإن النص الذي يبغي تقديم معرفة لا بد سيختلف عن النص الذي ينشغل بالحكاية وتطور الأحداث ، ولقد تورطت نحو ثلاث سنوات من القراءات المكثفة في موضوع الرواية والكتابة الأولية ، و وضع الاقتباسات الضرورية من الكتب التي تهم موضوعي ، وكنت قد انشغلت بأمرين من ناحية المضمون ، اولهما رصد الجرأة عند أجدادنا العرب قبل ألف سنة أو يزيد في موضوع التمرد الماورائي على رأي البير كامو ، أو الإلحاد ، وثانيهما الكتابة الجريئة في مجال الإيروتيك العربي ، أو لنقل التهتك الجنسي عند أجدادنا أيضا ، حيث وصل بهم الأمر إلى وضع التصانيف والمؤلفات في هذا الأمر ، بحيث أن أبناء جيل اليوم من أحفادهم يتعففون أو ربما يتحرجون من الإطلاع على ما وصلوا إليه ، والحقيقة فإن ما فعلته أيضا كان ضمن سياق الأحداث الأساسية ، ومنسجما مع الشخصيات ، أو ما حصل معهما سواء في الوعي أو خارجه ، وبالطبع فإن الكتابة الروائية في النهاية يجب أن تكون سلسلة ومتدفقة بكل عفوية ، وخارجة من رحم الإبداع ، وما العناصر التاريخية أو التوثيقية أو التناصية إلا روافد تكون قد هضمت جيدا في وعي الكاتب قبل أن يصوغها في العمل الإبداعي ، لأنها في النهاية كتابة سردية روائية تخييلية ، وليست كتابة تأليفية تاريخية أو أكاديمية . *بماذا تفسر البعد الزمني بين تجربتك القصصية رغبات مشروخة وروايتك باب الحيرة ولماذ هذا التحول نحو كتابة الرواية..؟ مرت تسع سنوات ما بين إصدار مجموعتي القصصية الثانية «رغبات مشروخة»، وروايتي «باب الحيرة»، ولقد كانت هذه الرواية تتلجلج في أعماقي منذ ذلك الحين، ولكن ظروفاً كثيرة حالت دون خروجها مبكراً، ومنها انشغالاتي الكثيفة في العمل الصحافي، ومتطلبات الحياة والدراسة،ولكن هذه المدة لم تكن في الحقيقة عطالة إبداعية كاملة، إذ أنني وجهت قدراتي وتوهجي نحو الأفلام التلفزيونية الوثائقية، وأنتجت منها كتابة وإبداعاً منذ العام 2000 وحتى 2004 خمسة وعشرين فيلما، مدة كل واحد منها خمسون دقيقة بثها التلفزيون الأردني، وهذا الأمر تطلب مني الكثير من البحث والتواصل مع الآخرين وقراء الكتب ولاسيما أن هذه الأفلام كانت مخصصة عن مسيرة أبرز الكتاب والفنانين الأردنيين، وأيضاً عن بعض الأماكن الأثرية والسياحية. أما الجانب الآخر فهو أنني شعرت بهجرة القصة القصيرة شيئا فشيئا، وهذا أمر مشترك بيننا، بمعنى أنني هجرتها وهي أيضا ابتعدت عن عالمي، وأعتقد أنها كانت مرحلة من مراحل كتابتي ثم انتهت ولم تعد تستوعب روحي الجامحة، وحين جاءت الرواية كان لابد أن تأخذ حقها مني فأخلصت لها، وانشغلت بها نفسياً ومعرفياً وإبداعياً حتى خرجت بالصورة التي نشرتها بها لماذا اخترت تونس بالتحديد لتكون مكانا لولادة روايتك الاولى.. وماذا تحمل لها في داخلك..؟ خلال بداية التسعينيات من القرن الماضي عشت نحو أربع سنوات في تونس العاصمة ، وتعرفت جيدا على أهلها وعوالمها ،وتجولت كثيرا في حواري المدينة القديمة التي ما تزال على حالها منذ أيام الحفصيين قبل نحو اربعمائة سنة أو يزيد ، وفي الحقيقة فقد وجدت أن المكان أي تونس العاصمة غني بالدلالات وله بعد تاريخي ما يزال فاعلا إلى اليوم ،وقد شعرت بأنه الأٌقدر على إحتمال ما أريد قوله ، أضافة إلى أن هناك الكثير من الخبرات الحياتية التي أستطيع التعبير عنها بشكل أمثل ، حيث أن الرواية حملت هواجسي كإنسان من هذا العصر ، وأسئلتي الصعبة ، وتونس أيضا مركز مهم في المغرب العربي ،وربما وجدت أيضا أنه يمكن أن تكون الرواية أكثر غنى بالاشتغال على دلالات المشرق العربي والمغرب معا . *ماذا تشكل المراة في اعمالك الادبية , أهي ظلال حقيقية لمفردات الحس والمضمون ام مجرد رفيقة للحدث ..؟ بعض الأسئلة أصبحت نافلة ، فما معنى أن يتم السؤال عن المرأة مثلا دون غيرها ، وما معنى أصلا أن يكتب الإنسان عملا دون أن تكون المرأة حاضرة ، فحصتها في الواقع اليوم ، وفي الوجدان ،وفي الوجود أيضا النصف أو يزيد ، ولهذا فإن المرأة سواء حضرت في روايتي أو قصصي السابقة بصورة جميلة أو سيئة ، أو بتكثيف كبير أو بشكل باهت ، فإنني أرى في ذلك محاكاة لما هو في الواقع أساسا ، فالمرأة ليست قادمة من الزهرة مثلا , والرجل من المريخ بل ثمة تجاور ،وعلاقة عضوية لا تنفصل ،ولهذا فهي فاعلة في أعمالي ،ومنسجمة مع ذاتها ،ولو أخذت مثلا في باب الحيرة لوجدت أن سعيدة ابنة الحياة وتبدو من لحم ودم أكثر من هاديا الروحانية المحلقة ابنة المجاز والدلالات ، ولكنهما معا تشكلان صورا للمرأة في شتى تجلياتها ، وفي النهاية أقول كما قال فلوبير ذات يوم أنا مدام بوفاري أي أنني ككاتب شعرت أيضا كثيرا بسعيدة وهاديا كما لو كنت مكانهما ، ففي النهاية روح المرء واحدة ذكرا كان أو أنثى ، وما نغرف جميعا إلا من عين واحدة . *كيف اثر العمل الصحفي والتلفزيوني على مسيرتك الابداعية في عالم الكتابة اهو تاثير سلبي ام ايجابي..؟ لقد منحني العمل الصحفي في المجال الثقافي تحديدا الكثير من الخبرات، ومن أهمها «التحرير «,وهذا العنصر ساهم بشكل أو بآخر في انتباهي إلى أن تكون كتابتي مكثفة ومصقولة، وبدون زوائد، كما أنه ساهم في اغناء قاموسي اللغوي، هذا عدا عن بقائي مطلعا عن كثب على عالم الثقافة اليومي، وكل ما هو جديد، ويبدو أنه أحيانا يحرض المرء على التمرد، والكتابة بجرأة، ولكن لكل شيء ضريبة، فمثل هذا العمل يعد محرقة يومية للإبداع، وهو يستهلك الكثير من الوقت والجهد بحيث لو انصب على الكتابة الإبداعية وحدها والتفرغ لها لساهم في إنتاج كتب كثيرة ومتميزة، ولو أنني أرغب بطباعة أعمالي الصحفية على سبيل المثال لعملت منها عدة مجلدات، ولكن ما هكذا تحسب الأمور، فالتفرغ للكتابة في الدول العربية معناه أن يصبح المرء شحاذاً يسترزق على الأبواب في ظل عدم وجود أنظمة وقوانين داعمة للكتابة الإبداعية، فكل ما حولنا يشجع على «التطفيش» والبعد عن الكتابة، ولاسيما مسألة (موت القارئ)، وعدم وجود من يشجع على اقتناء الكتب. المسألة المهمة أيضاً والتي بدت واضحة في «باب الحيرة» من أثر الصحافة هي فن الحذف، فقد جاء التحرير ليثبت لي أن فن الحذف هو بأهمية فن الكتابة، فالكثير من الكتاب يتورط في الإسهاب والشرح ومحاولة إفهام القارئ الفكرة أكثر من مرة وبصياغات مختلفة، ويبخل في حذف بعض ما كتب، ولو أدرك خبرة التحرير لعرف ما أعني هنا*أخيرا ما هي مشاريعك القادمة .. وهل تفكر في رواية ام مجموعة قصصية..؟ أنا الآن ولسنة على الأقل منشغل بالدراسة الجامعية العليا في الترجمة ،ولا يوجد عندي الوقت الكافي للانشغال بكتابة عمل جديد ، ولكني أواصل الحفر المعرفي في الموضوع الذي أطمح لكتابته ، فأنا أفكر منذ فترة بكتابة رواية جديدة تواصل ما بدأته في باب الحيرة ، وقد تكون أول أبواب اليقين .العرب اليوم
