هل نحن شعب عريط ؟
نون - كتب الدكتور طارق المجالي - تفشت وتسربت إلى المجتمع الأردني بعض الظواهر الاجتماعية السلبية ومن بينها ظاهرة (العرط ) التي تستحق منا وقفة متأنية لما تمثله هذه الظاهرة من خلل جليّ في بنية المجتمع الواحد على الصعيد الديني أ وعلى صعيد القيم والعادات المتعارف عليها .ولو عدنا إلى مصطلح ( العرط) في لسان العرب لابن منظور لوجدنا ما يأتي : اعْتَرَطَ الرجلُ: أَبْعَدَ في الأَرض. وعِرْيَطٌ وأُمّ عِرْيَطٍ وأُمّ العِرْيط، كله: العقرب.ويقال: عَرَطَّ فلان عِرضَ فلان واعترطه إذا اقْتَرَضَه بالغِيبة، وأَصل العَرْطِ الشق حتى يدْمَى لذلك قلت إنه مصطلح أردني بامتياز ، لعدم العثور عليه لا عربيا ولا غربيا ،إذن هو مصطلح شعبي أردني بات مفهوما ومعروفا بيننا . ونقول في العامية الأردنية : ( عرط ) و( عِِرِيط ـ (بكسر العين )على وزن فِعِيل للدلالة على الكثرة و المبالغة كقولنا : درِيس وشِريب ومصدرها العرط ) ومعناه في العامية الأردنية :أن يصل الإنسان إلى حالة من تجاوز الواقع ومحاولة الاستعلاء عليه إلى واقع مثالي منشود يخالف هذا الواقع ، هو أقرب إلى الكذب ، وتضخيم الذات والأنانية أو مدح الذات ، و التعالي والترفع على الواقع أو هو أقرب إلى أن يرى الشخص نفسه في موضع أعلى من غيره .وللعرط في المجتمع الأردني صور وأنماط ونماذج بشرية نراها يوميا في بعض برامج التلفزيون بين مجموعة من الضيوف ،وبين الأدباء في الملتقيات، وبين سيدات المجتمع المخملي في السهرات ، كما أنني وجدت ( عرطا زائدا ) في الأهازيج والأغاني الوطنية مما أفقدها شعريتها وجمالياتها ، ومن صوره ما نراه من متابعة سلوكات بعض الحضور المحبين للظهور والعرط وملاحقة أقوالهم وحركاتهم في العطوات والجاهات والصلحات وفي الأعراس والأتراح ،ودخل هذا المرض في العلاقة بين الأب وأطفاله وزوجته و بين الخاطب وخطيبته ، وبين الموظفين والموظفات ،وطلبة الجامعات .وحتى في تصريحات المسئولين وبياناتهم ، واتسعت دائرته ليشمل حكومات حين تضخم ذاتها أمام مواطنيها ،فتبدأ في حالة من (العرط ) غير المشروع عندما تحاول إقناعهم بأنها هي صرة الكون ،ومحور العالم وتتصرف على هذا الأساس وهي تموت جوعا وعطشا .ومن المشاهدات الكاريكاتورية اليومية ( للعرط ) :ـ الخطيب السياسي والديني الذي يطيل في افتتاحيات ومقدمات خطبته ، ويخبط الأرض بقدميه وتحمر عيناه ،دون مبرر هو خطيب عريط .ـ الطالبة الجامعية التي توهم زميلاتها بأنها لا تحب أكلة شعبية معينة لأنها ( بلدي ) وتوهم زميلاتها بأنها لا تأكل إلا من المطاعم الأمريكية، ولا تلبس إلا من دور الأزياء المشهورة مع العلم أنها تسكن في ( خشة ) ؟ وتكاد لا تجد مصروفها اليومي ،هي طالبة عريطةـ الطالب الذي يركب ( شبح البابا) ولا يستمع إلا إلى مايكل جاكسون ، والموسيقى الصاخبة ويعوج حنكه بلكنات هجينة ، ويمزجها بلغة ( الأرابيز ) طالب أعاد مساق إنجليزي101لعدة دورات، وهو طالب عريط .ـ والمثقف الذي يطلق ذقنه ،ويطلق العنان لشاربيه ،ويدخن الغليون أو السيجار ،أو يفتعل حالة الشرود المفتعل ويغرق في الإيهام هو مثقف عريط .ـ والمواطن الذي يحاول أن يستعرض بعباءته ومسدسه في كل المناسبات ولا يدع مجالا لغيره في الحديث هو شيخ عريط .ـ والمواطن الذي يتبجح بأنه ذبح عند زفاف ولده عشرين رأسا من الغنم ،وطبخ جبلا من الأرز، وأسال الوادي شرابا ،هو مواطن مطلوب للبنك كما أنه مواطن عريطـ وكبير السن الذي فقد زملاءه ممن يعرفون كذبه، فجمع أحفاده ليخبرهم عن بطولاته ومغامراته أيام الشباب هو عجوز عريط ( ومبطحة الحارة وسّراق دجاج) .ومثل هذه الصور كثيرة يصعب حصرها .ألا يمكن لعلماء التربية وعلماء النفس والاجتماع من أن يقوموا بدراسات ميدانية Social Psychology لمتابعة هذه الظاهرة ؟؟والوقوف على أسبابها ودوافعها وانتشارها بهذه الصورة المذهلة في مجتمع محافظ كالمجتمع الأردني ؟! لأن التغاضي عنها وعن مرضاها يشكل خطرا جسيما يهدد الأمن الاجتماعي والاقتصادي والتكيف الاجتماعي ، ويخلخل تركيبة طبقات المجتمع، فيجعل الأفراد والجماعات غير مقتنعة بمستواها المعيشي والثقافي والاجتماعي ويشجع على إقامة علاقات اجتماعية مبنية على تزييف الواقع ، مما يولد كثيرا من الحقد والنقمة بين أفراد المجتمع الواحد ،فكلنا عباد الرحمن الذين أمرنا أن نمشي على الأرض هونا ، وكلنا نعيش تحت سماء واحدة على الرغم من أننا لا نرى الأفق نفسه .drtarqm@hotmail.com
