كيف غنّى لبنان حروبه من فيروز إلى الراب؟
نون - على مدى أكثر من 50 عامًا، لم تكن الأغنية السياسية في لبنان مجرد عمل فني، بل تحولت إلى ذاكرة صوتية لوطن عاش الحروب والانقسامات والحصار والمقاومة والنزوح، وظل يبحث عن صوته وسط كل مرحلة.
من أغاني السبعينيات الثورية، إلى سخرية الثمانينيات، ثم أناشيد التحرير، وصولًا إلى الراب المعاصر، عكست الموسيقى اللبنانية تحولات المجتمع والسياسة والحرب، ورافقت الناس في لحظات الخوف والأمل والانكسار.
فيروز وبداية الذاكرة الوطنية
في بدايات الثمانينيات، وبينما كانت الحرب الأهلية اللبنانية في ذروتها، حملت أغاني فيروز صورة لبنان الحلم، الوطن الجميل الذي بقي حاضرًا في الذاكرة رغم الخراب.
وقدّم مشروع الأخوين رحباني، عاصي ومنصور، صورة مثالية عن لبنان، تقوم على القرية، الجبل، الحب، والهوية الجامعة. ورغم أن هذا العالم بدا بعيدًا عن الواقع السياسي المتوتر آنذاك، إلا أنه شكّل وجدانًا وطنيًا ظل حاضرًا في الذاكرة اللبنانية.
السبعينيات.. الأغنية تنزل إلى الشارع
مع اقتراب اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، ظهرت حركة فنية جديدة لم تعد تكتفي بتقديم صورة حالمة عن الوطن، بل حاولت التعبير عن الواقع كما هو، بكل توتراته وصراعاته.
في هذه المرحلة، برز فنانون يساريون وقوميون نقلوا الأغنية السياسية إلى الميادين والمخيمات والمستشفيات، ومن بينهم أحمد قعبور، الذي ارتبط اسمه بأغانٍ حملت وجع الناس وقضاياهم.
كما برز التعاون بين الشاعر محمود درويش والموسيقي مارسيل خليفة، في تجربة استمرت لسنوات طويلة، تحولت خلالها قصائد درويش إلى أناشيد لجيل كامل، وربطت بين القضية الفلسطينية والواقع اللبناني المضطرب.
مارسيل خليفة وذاكرة الانكسار
لعب مارسيل خليفة دورًا محوريًا في الأغنية السياسية اللبنانية، من خلال أعمال تناولت فلسطين وبيروت والحرب والجنوب.
وبعد اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط عام 1977، قدّم خليفة مرثية "يا جبل الباروك"، التي عكست لحظة حزن وانكسار عاشها جيل كامل، وكانت مثالًا على قدرة الأغنية على توثيق لحظة سياسية وإنسانية في آن واحد.
الثمانينيات.. السخرية في مواجهة الحرب
مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، تبدلت لغة الأغنية السياسية.
في هذه المرحلة، برز زياد الرحباني بصوته المختلف، حيث حوّل الحرب والطائفية والانهيار اليومي إلى مادة ساخرة ومرّة. لم يقدم زياد صورة حالمة، بل اختار واقعية قاسية وسخرية سوداء عبّرت عن عبثية الحرب وانقسام المجتمع.
أغانٍ مثل "يا زمان الطائفية" و"أنا مش كافر" جسدت هذه المرحلة، حيث تحولت الموسيقى إلى مساحة للنقد والرفض والسخرية من واقع لم يعد يحتمل الخطاب المباشر وحده.
من الثورة إلى المقاومة
بعد خروج منظمة التحرير من بيروت، انتقلت بعض الأغاني السياسية من خطاب الثورة العربية الواسع إلى خطاب المقاومة المحلية، خصوصًا في جنوب لبنان.
وفي هذا السياق، قدّم مارسيل خليفة أعمالًا ارتبطت بالجنوب والمقاومة، فيما ظهرت جوليا بطرس في الثمانينيات بصوت حمل نبرة مختلفة، تعبر عن جيل كبر على وقع الاحتلال والأمل بالتحرير.
ومن أبرز محطاتها أغنية "غابت شمس الحق"، التي رسخت حضورها كواحدة من الأصوات المرتبطة بقضية الجنوب.
بعد الطائف.. أغاني الأمل وإعادة الإعمار
مع نهاية الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف عام 1989، دخلت الأغنية السياسية مرحلة جديدة، اتجهت نحو خطاب الأمل وإعادة بناء البلد.
ظهرت أغنيات مثل "بيروت ست الدنيا" لماجدة الرومي، و"راجع يتعمر لبنان" لزكي ناصيف، لتعكس رغبة جماعية في النهوض من الركام واستعادة صورة لبنان الممكن.
وفي الوقت نفسه، واصلت جوليا بطرس حضورها في أغاني المقاومة، خصوصًا مع تحرير الجنوب عام 2000، حيث ارتبط صوتها بمحطات سياسية ووطنية بارزة.
الألفية والراب.. عودة الغضب إلى الشارع
مع صعود موجة البوب في الألفية، تراجع حضور الأغنية السياسية التقليدية، لكنه لم يختفِ تمامًا.
لاحقًا، ظهر جيل جديد من مغني الراب، أعادوا الأغنية السياسية إلى الشارع بلغة مباشرة وغاضبة، تناولت الفساد، الطائفية، أزمة النفايات، الفقر، والهجرة.
ومن بين هذه الأصوات برز فنانون مثل "الراس" وجعفر الطفار، الذين استخدموا الراب كمنصة للتعبير عن غضب جيل لم يعد يجد نفسه في الخطاب السياسي التقليدي.
لماذا تعود الأغاني مع كل حرب؟
في كل حرب جديدة يعيشها لبنان، تعود الأغاني القديمة إلى الواجهة، من أناشيد السبعينيات إلى سخرية زياد الرحباني، ومن أغاني المقاومة إلى الراب الغاضب.
قد يكون السبب أن الحروب تتغير في أسبابها وظروفها، لكنها تتشابه في تفاصيلها: القصف، النزوح، الخوف، الانتظار، والفقدان.
وهنا تصبح الأغنية أكثر من مجرد لحن؛ تصبح وثيقة، وشهادة، وذاكرة جماعية تحفظ ما لا تستطيع السياسة حفظه.
الأغنية كأرشيف للبنان
من فيروز إلى مارسيل خليفة، ومن زياد الرحباني إلى جوليا بطرس والراب الحديث، تبدو الأغنية السياسية اللبنانية كأنها أرشيف حي لتاريخ بلد لم يعرف الهدوء طويلًا.
فحين تنهار المدن، وتضيع الروايات بين السياسة والحرب، تبقى الأغنية شاهدة على ما حدث، ووسيلة الناس للتذكر، والبكاء، والرفض، والتمسك بالأمل.