مهرجان أفلام السعودية يختتم دورته وسط عروض مكثفة
نون - تتجه الأنظار مساء اليوم إلى مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء"، حيث يُقام الحفل الختامي للدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، مع إعلان الفائزين بجوائز المسابقات الكبرى وتتويج الأعمال الفائزة بـ"نخلة المهرجان"، بعد أسبوع حافل بالعروض السينمائية والفعاليات الثقافية والمهنية، تحت شعار "كل حكاية رحلة".
وقبل ختام الدورة الحالية، شهد المهرجان أمس الأربعاء يومًا سينمائيًا حافلًا، عُرض خلاله 14 فيلمًا توزعت بين مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومسابقة الأفلام الوثائقية، ومحور "سينما الرحلة"، وبرنامج "أضواء على السينما الكورية"، إلى جانب استمرار برنامج "لقاء الخبراء" والجلسات الحوارية التي جمعت صناع الأفلام بالجمهور بعد العروض.
وجاء برنامج اليوم ليعكس تنوعًا واضحًا في اختيارات الدورة الثانية عشرة، بين أفلام وثائقية تتناول الهوية والتراث والذاكرة والسير الإنسانية، وأعمال روائية تتحرك بين الغموض والكوميديا والرومانسية، ومحور سينمائي يعبر عدة دول، وبرنامج كوري يربط الحلم السينمائي بتفاصيل الحياة اليومية.
عروض روائية بين الغموض والكوميديا والرومانسية
شهدت مسابقة الأفلام الروائية الطويلة عرض فيلم "باب" للمخرجة الإماراتية نايلة الخاجة، في عرضه الأول داخل المملكة، إلى جانب الفيلم السعودي "مسألة حياة أو موت" للمخرج أنس باطهف.
وجاء الفيلمان ضمن مسارين مختلفين؛ إذ يذهب "باب" إلى أجواء الغموض النفسي والذاكرة العائلية، بينما يقدم "مسألة حياة أو موت" معالجة تمزج بين الرومانسية والكوميديا والفانتازيا.
وتدور أحداث فيلم "باب" حول شخصية "وحيدة"، التي تعثر على أشرطة كاسيت مخبأة خلف باب أخضر، لتبدأ رحلة بحث عن حقيقة وفاة أختها التوأم. ومع تصاعد الأحداث، تقودها الأصوات والذاكرة إلى الجبال، حيث تنكشف طبقات غامضة من الماضي.
ويحمل الفيلم أهمية خاصة كونه من توقيع نايلة الخاجة، أول مخرجة إماراتية، في تجربة تعتمد على السر العائلي والعزلة والصوت لبناء حالة نفسية مشحونة بالتوتر.
أما فيلم "مسألة حياة أو موت"، فيروي قصة "حياة"، التي تؤمن بالخرافات وتعتقد أن لعنة متوارثة ستنهي حياتها في عيد ميلادها الثلاثين. وفي المقابل، يظهر "يوسف"، جرّاح القلب الانطوائي الذي لا ينتظم نبضه إلا عندما يمسك بالمشرط.
وتجمع الأحداث بين الشخصيتين في محاولة غريبة لخداع الموت، وسط مواقف كوميدية وفوضوية وقصة حب تسابق الزمن، ما يمنح المسابقة نبرة مختلفة من خلال عمل روائي طويل يتحرك في مساحة رومانسية كوميدية غير مألوفة ضمن المنافسة.
ستة أفلام وثائقية عن الهوية والتراث والسير الإنسانية
وفي مسابقة الأفلام الوثائقية، برز حضور لافت لهذا النوع السينمائي من خلال عرض ستة أفلام في يوم واحد، تناولت موضوعات متعددة شملت الهوية، التراث، الذاكرة الشعبية، الرياضة، الغوص، القرصنة الإلكترونية، والسيرة الفنية.
وعُرض فيلم "ملك الأكتاف" للمخرجة مرام الخالدي، الذي يسلط الضوء على البشت السعودي بوصفه رمزًا للهوية والوقار، من خلال تتبع تفاصيل صناعته الدقيقة وحضوره في المناسبات والمحافل المختلفة.
كما قُدم فيلم "مرجوج هزازي" للمخرج مشعل الثبيتي، في عرضه العالمي الأول، مستعيدًا قصة الهاكر السعودي المعروف بعد سنوات من الغياب عن الإعلام، في عمل يقترب من عوالم الأمن الرقمي والهوية الإلكترونية.
وفي السياق التراثي، عُرض فيلم "ضباب البارود" للمخرج سعد طحيطح، في عرضه الأول داخل المملكة، مقدّمًا رحلة لاستعادة رقصة المدقال لدى رجال قبيلة بلحصين في عسير، بعد انقطاع دام نحو ثلاثين عامًا. ويمنح انتماء المخرج للقبيلة الفيلم بعدًا شخصيًا وعاطفيًا واضحًا.
أما فيلم "عمق" لعبدالرحمن صندقجي، فيتناول حكاية شاب سعودي يختار الغوص في الأعماق بحثًا عن الرزق وتحقيق الذات، تاركًا خلفه عائلته وأحبته، في تجربة تجعل من الغوص مهنة وهوية ورحلة فردية تحمل الكثير من التحديات.
وقدّم فيلم "فريحة" للمخرج بدر الريمي، في عرضه الأول بالمملكة، حكاية مغنية يمنية في السبعين من عمرها تلتقي مخرجًا شابًا، في محاولة لإعادة إطلاق مسيرتها الفنية، ضمن عمل يفتح حوارًا بين جيلين حول الفن والذاكرة واستعادة الصوت.
واختُتمت عروض المسابقة الوثائقية بفيلم "بقشة سعد" للمخرج مجبل الفرج، في عرضه الأول بالمملكة، والذي يستعيد سيرة الفنان الكويتي سعد الفرج عبر محطات وقصص شكّلت جزءًا من ذاكرة فنية طويلة. واكتسب العرض طابعًا خاصًا بحضور الفنان سعد الفرج شخصيًا.
"سينما الرحلة" تعبر خمس دول
ضمن محور "سينما الرحلة"، عُرضت خمسة أفلام من الصين وفرنسا ومصر والعراق والولايات المتحدة، في برنامج عكس تنوعًا جغرافيًا وإنسانيًا واضحًا، وطرح أسئلة مرتبطة بالهوية والاغتراب والرحيل.
في فيلم "عبر المياه" للمخرجة فيف لي، تتحول بلدة تعدين نائية بلا إشارات راديو إلى مساحة عزلة، حيث تقود مراهقة غريبة الأطوار علاقة عابرة مع سائق شاحنة وسط العاصفة ونقص المياه.
أما فيلم "صرخة المعدن" للمخرج نيكولا أوبري، المعروض عربيًا للمرة الأولى، فيجمع بين سائقة شاحنات بولندية ولاجئ عراقي مختبئ داخل شاحنتها، حيث يصبح جهاز قياس ثاني أكسيد الكربون الرابط الوحيد بينهما، في توتر إنساني يحوّل حياة شخص إلى إشارة رقمية.
وفي فيلم "صف ثاني" لعمرو عابد، في عرضه الدولي الأول، تنتقل الرحلة إلى شارع ضيق في القاهرة، حيث يحاول زوجان بيع سيارتهما قبل الهجرة النهائية، لكن سيارة متوقفة بشكل مزدوج تعطل خروجهما، لتتحول المدينة نفسها إلى عائق أمام الرحيل.
كما عُرض فيلم "القصة غير المروية لشاهمران" للمخرج سارهات خامو، في عرضه العربي الأول، مستحضرًا أسطورة شاهمران الكردية من خلال لوحة مسروقة لشاب إيزيدي، تتحول محاولة استعادتها إلى رحلة للدفاع عن الثقافة والهوية في مواجهة المحو.
واختتم المحور بفيلم "شجرة الليمون" للمخرجة رايتشل والدن، في عرضه العربي الأول، حيث يسرق أب شاب أرنبًا من كرنفال الهالوين لإبهار ابنه، قبل أن تنقلب الأدوار ويجد الطفل نفسه مسؤولًا عن إعادة والده والأرنب إلى المنزل بأمان، في عمل خفيف يحمل سؤالًا أعمق عن الأبوة والمسؤولية.
السينما الكورية حاضرة بفيلم "هالو"
وفي برنامج "أضواء على السينما الكورية"، عُرض الفيلم الروائي الطويل "هالو" للمخرج رو يونغ-وان، في عرضه العربي الأول.
ويتناول الفيلم قصة عامل توصيل شاب يواجه ضغوطًا عائلية وحياتية، بينما يحاول التمسك بحلمه في أن يصبح مخرج أفلام. ويقدّم العمل حكاية عن الطموح السينمائي وسط روتين الحياة اليومية، مع لمسة تشويقية تظهر من خلال كلمات عرّاف تمنح الشخصية الرئيسية بصيص أمل.
ويمنح الفيلم البرنامج الكوري حضورًا روائيًا طويلًا، يختلف عن مجموعة الأفلام القصيرة المشاركة، من خلال مقاربة تجمع بين الحلم الشخصي وضغط الواقع.
لقاءات الخبراء تدعم صناع الأفلام
واصل برنامج "لقاء الخبراء" حضوره ضمن فعاليات المهرجان، من خلال إتاحة جلسات فردية تجمع صناع الأفلام والمهتمين بالقطاع مع مختصين في مجالات الإنتاج، الإخراج، تطوير المشاريع، البرمجة، النقد، والكتابة.
وتهدف هذه اللقاءات إلى فتح مساحات عملية لتبادل الخبرات، ومساعدة المواهب السينمائية على تطوير أفكارها ومشاريعها. كما شهدت العروض جلسات حوارية مع المخرجين بعد انتهاء الأفلام، أتاحت للجمهور فرصة مناقشة الأعمال وسياقاتها الفنية والإنتاجية.
سوق الإنتاج يختتم بأكثر من 4 ملايين ريال
على الصعيد المهني، اختتم "سوق الإنتاج" أعماله محققًا أرقامًا غير مسبوقة في تاريخ مهرجان أفلام السعودية، إذ بلغ عدد الجوائز 51 جائزة، تجاوزت قيمتها الإجمالية 4 ملايين ريال سعودي.
ويمثل هذا الرقم ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالدورة الماضية، بنسبة تتجاوز 60%، ما يعكس نمو الحراك الإنتاجي داخل المهرجان، وازدياد اهتمام الجهات الداعمة بالمشاريع السينمائية الجديدة.
كما شهد السوق عقد 48 اجتماعًا وشراكة بين صناع الأفلام والجهات المنتجة، في خطوة تعزز دور المهرجان كمنصة مهنية مهمة لدعم الصناعة السينمائية السعودية والعربية.
ترقب لإعلان الفائزين بنخلة المهرجان
ومع انتهاء يوم حافل بالعروض واللقاءات والفعاليات المهنية، تتجه الأنظار إلى الحفل الختامي للدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، حيث سيتم الإعلان عن الفائزين بجوائز المسابقات الكبرى، وتتويج الأعمال الفائزة بنخلة المهرجان.
ويأتي الختام بعد دورة اتسمت بتنوع واضح في الأفلام، وحضور قوي لصناع السينما، وبرنامج مهني يعكس تطور المهرجان ومكانته المتنامية في المشهد السينمائي.
