الجدعة : تاريخ سلطي رسم بريشة فنان
نون - ديما محبوبة-السلط -الفقر والحاجة من الصفات الملاصقة لحي الجدعة ، في السلط، لكنها لم تمنع كثيرا من زائري تلك المنطقة بأن ينبهروا بروعة المكان، والمناظر الخلابة التي تطل منها الجدعة على جبال المحافظة، ناهيك عن روعة بيوتها العتيقة، إذ يلمس من يفتح أبوابها سحرا وغموضا لا يمكن أن يشعر بهما في البيوت الحديثة. ويتبادر لذهن من يدخل الجدعة العديد من الأسئلة عن الزمن الذي عاصرته تلك البيوت، والأشخاص الذين مروا بها، ومضوا.تحدثك عتبات البيوت في البداية عن نفسها وتاريخها. فهي لا تنسى من وطئت خطواتهم عتباتها، وتروي للمار أفراحهم وأحزانهم التي صارت في ذمة الذكرى، بعد أن مضوا وودّعوا المكان بلا عودة.تقول سميرة عوض، إحدى الزائرات لحي الجدعة ، ليست كل المنازل تصلح لأن تصبح متاحف بعد عشرات أو مئات السنين، غير أن بيوت الجدعة تختلف عن باقي المساكن، وهذا ما يحس به من يقف على عتباتها العتيقة .ترى سميرة أن الأعمدة المصنوعة من الحجارة ليس لها مثيل، وكذلك النوافذ المطلة على مناظر خلابة لا يمكن للكلمات أن تصف ما تراه الأعين من خلالها.وبصوت يئن تحسرا تقول عوض كم يؤسفني أن تظل هذه البيوت على هذه الحال! فلو تم العمل على ترميمها لجعلت من حيّ الجدعة معلما حضاريا وتاريخيا، يحكي قصصا، ويروي ذكريات أصحاب المكان الأصليين، كما أصبحت مقصدا سياحيا يأتي إليه كل من يزور الأردن.في هذا السياق يبين الحاج أبو أحمد، أن الجدعة آل إلى بيوت مهددة بالسقوط في أي لحظة وتجدر الإشارة، وفق أبو أحمد، إلى أن هذه البيوت تحولت اليوم إلى منطقة شعبية يقطنها أناس من جنسيات متعددة؛ منهم المصريون والسوريون والعراقيون والأردنيون .ويضيف أبو أحمد أن الجدعة تعيش اليوم كارثة بيئية وخدمية، إذ تعاني من إهمال واضح، بسبب وجود عدد من الأبنية القديمة المهملة التي تحولت إلى مكب للنفايات، وبات بعضها مهددا بالانهيار ، وهو ما دفع، بحسب قول أبو أحمد، معظم سكانها للرحيل عنها، واقتصار أغلب ساكنيها على العمالة الوافدة، رغم موقعها المميز وتاريخها العريق.ويشير الأربعيني سمير النابلسي إلى أن الجدعة منطقة تعيش مأساة حقيقية، بسبب إهمال المسؤولين وعدم اهتمامهم بها، رغم وجودها في وسط المدينة، وقربها من مختلف الدوائر الخدمية. إذ تشهد أدراجها وشوارعها القديمة، الخراب وقلة الصيانة، وهو ما يعرض سكانها لحوادث كثيرة، والغريب، يقول النابلسي، إن الجهات المعنية تقوم أحيانا بتبليط بعض الأدراج، وتترك أخرى مهملة.ويضيف النابلسي أن الأمطار التي هطلت في الموسم الشتوي كشفت عن الكثير من العيوب في البنية التحتية في هذه المنطقة، المهترئة أساسا، حيث فاضت فيها شبكات تصريف الأمطار والصرف الصحي معا، لتداخلهما، وقد نتج عن ذلك نشوء عدد من برك المياه الآسنة، كما شهدت المنطقة سيولا نتيجة جغرافيتها الوعرة، أدت إلى حدوث انجرافات وانهيارات، باتت تهدد العديد من المباني القديمة التي هجرها أصحابها وتحولت إلى مجمعات للنفايات والحيوانات الضالة، والجرذان والحشرات.من يزور الجدعة الآن يشعر بـ تزاحم العمالة الوافدة فيها، وقيام البعض منهم بسلوكيات سلبية؛ مثل إلقاء النفايات من النوافذ ، يحفزهم على ذلك ما آل إليه حال الجدعة من سوء، وبسبب عدم اهتمام البلدية بها، وهو ما أسهم في تجمع أطنان من النفايات، سواء من حول المباني، أو في داخل بعض الأبنية المهجورة. ولعل الزائر يشعر أن عاملين أو ثلاثة من عمال النظافة لن يستطيعوا خدمة المنطقة بحكم طبيعتها المعقدة، وتلاصق عشرات المنازل المكتظة فيها، ما أدى إلى تراكم النفايات.وتشكو الأربعينية أم محمود؛ وهي أردنية متزوجة من مصري، من أن الجدعة بحاجة إلى صيانة شاملة لشبكة الصرف الصحي القديمة فيها، والتي تفيض باستمرار، وخاصة عند هطول الأمطار. كما أن عددا من المناهل الكبيرة صارت مكشوفة، مما يعرض المارة للسقوط فيها. وقد قام الأهالي بإغلاقها بالحجارة، حماية لهم، ومنعا لخروج الجرذان التي تنتشر بأعداد وبأحجام كبيرة تهدد السلامة والصحة العامة.وتشير إلى مشكلة أخرى تعاني منها الجدعة ؛ وهي تشابك أسلاك الكهرباء مع الأشجار الموجودة في المنطقة، وهو ما يتسبب في الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، نتيجة حدوث تماس كهربائي. وتؤكد أن مراجعة شركة الكهرباء والزراعة لم يحل المشكلة؛ لأن كل جهة تحمّل الجهة الثانية مسؤولية ما يحدث. ورغم المساوئ والسلبيات، ما يزال حي الجدعة يحمل في ذاكرة السلطيين الكثير من الذكريات الجميلة، عن عراقة المدينة التي يصفون سكانها الأصليون بـ أهل العز ، ويجعلهم يأسفون لما أصاب المكان من إهمال كبير، أساء بذلك لتاريخ هذا المكان الضارب في التاريخ. في حين يبين مدير بلدية السلط بسام العلقان انه لا يوجد تقصير من جهة البلدية في ما يخص عملها، فالجدعة حي قديم وتاريخي وله مكانة كبيرة ، إلا أن جميع الوافدين باتوا يقطنونه ولا يهتمون به ، أما فيما يخص الخدمات المقدمة من البلدية فهي موجودة للحد المسموح به. وبخصوص الأبنية والبيوت القديمة الأثرية، يقول العلقان، لا يمكن الدخول عليها وتنظيفها لأنها ملك لأصحابها القدامى، ولا يمكن الدخول عليها لأن هناك من يتهم البلدية بأنها تدخل لسرقة الحجر الأصفر .ويؤكد العلقان بأنهم يعملون على الاهتمام بشوارع الجدعة رغم ضيقها، والاهتمام بأدراجها وهناك مشروع سيعمل به قريبا وهو إضاءة هذه الأدراج، مؤكدا أن البلدية تقوم بعملها على أكمل وجه ولا تستطيع أن تدخل على بيوت الناس لتنظيفها أو ترميمها .(الغد)






